خلف المجرة

الفصل 2

لغز المنظمة

1,186 كلمة · 6 دقيقة للقراءة

🔊 ElevenLabs

**الفصل الثاني**

كان والدها جالسًا في مكانه، فلاحظ مرورها دون أن تنتبه لوجوده. عقد حاجبيه باستغراب، ثم نهض واتجه نحو غرفتها.

— نورف... نورف؟

فتح الباب قليلًا، فجاءه صوتها من الداخل:

— نعم؟

ابتسم وقال بنبرة هادئة:

— أهلًا صغيرتي، كيف كان يومك؟

فتحت نورف فمها لتجيبه، لكنه سبقها قائلًا:

— سأضع الغداء، ونتحدث هناك.

ضم شفتيه بابتسامة صغيرة، ثم غادر الغرفة.

أطلقت نورف زفيرًا طويلًا، وأسندت ظهرها إلى الباب للحظة.

كانت تعرف أن الحديث مع والدها لن يكون سهلًا.

نزلت نورف إلى غرفة الطعام، وحين فتحت الباب وجدت عمها آدم ووالدها جالسين إلى المائدة، بينما كان جابسر يلهو تحتها.

قال آدم بصوت مرح:

— أهلًا بعالمة نورف، انضمي إلينا.

ابتسمت نورف وجلست بجوارهم.

حاولت أن تبدو طبيعية، لكنها بقيت متوترة قليلًا، توزع ابتسامات صغيرة لا تخفي قلقها. تنهدت، ثم قالت:

— أقامت الجامعة نشاطًا جديدًا بعد أسبوع، وسيتعين عليّ السفر إلى مدينة لوفيا.

توقف والدها عن تناول الطعام للحظة، ثم رفع عينيه إليها باستغراب.

— إلى أين في لوفيا؟

ابتلعت نورف ريقها، وقالت بتوتر:

— إلى منظمة ميتا... وقبل أن تكمل جملتها، دفع والدها مقعده ونهض غاضبًا.

— لن تذهبي إلى هناك، نورف.

خرج من الغرفة دون أن يمنحها فرصة للرد.

أغمضت نورف عينيها، ورفعت رأسها إلى الأعلى، ثم تمتمت:

— كنت أعلم أن هذا سيحدث.

التفتت إلى عمها، فوجدته هادئًا، وكأنه لم يتفاجأ من رد فعل والدها.

قال آدم بنبرة خفيفة:

— يبدو أن مهمتك صعبة هذه المرة.

ابتسمت نورف ابتسامة مريرة، ثم نهضت واتجهت نحو غرفتها.

جلست نورف في غرفتها أمام نافذتها، حيث بدت من خلف الزجاج السماء الأرجوانية وأبنية المدينة الشاهقة.

نهضت بعد لحظات، وقالت في نفسها:

— لن أستسلم.

بدأت تحوم في أرجاء الغرفة، ترتب كلماتها في ذهنها، وتحاول أن تجد الطريقة المناسبة لإقناع والدها.

وبعد عدة مرات من الذهاب والإياب أمام باب غرفته، توقفت أخيرًا وجمعت شجاعتها.

— أبي... أنا نورف.

وضعت يدها على شاشة الباب، فانفتح أمامها.

كان والدها جالسًا أمام جهازه. وما إن رآها حتى أغلق الشاشة سريعًا والتفت إليها.

— لا تتعبي نفسك بالحديث. لقد حُسم الأمر.

نظرت إليه نورف بمرارة.

— لماذا تريدني أن أضيّع فرصة كهذه؟

عقد حاجبيه، وقال بغضب:

— فرصة؟

ثم أطلق زفيرًا، وخفّض صوته قليلًا.

— أنا لن أسمح بأن أخسر أحدًا آخر من عائلتي بسبب تلك المنظمة.

اتسعت حدقتا نورف، وبدأت الدموع تملأ عينيها.

اقتربت منه، ثم وضعت يدها على كتفه وقالت بصوت هادئ:

— أعلم أنك تفتقدها... وأنا أيضًا أفتقدها كثيرًا.

توقفت للحظة، ثم تابعت:

— لكنه كان حادثًا يا أبي.

رفع والدها نظره إليها، ورد بصوت حاد:

— لم يكن حادثًا، يا نورف.

سحبت نورف يدها عنه، وتغيرت ملامحها، وتحولت عيناها إلى نظرة حازمة.

— أنا آسفة يا أبي، لكنني لن أسمح لخوفك بأن يحدد مصيري.

استدارت وغادرت الغرفة.

بقي والد نورف جامدًا في مكانه، يحدق في الباب الذي أُغلق خلفها، بينما راحت أصابعه تنقبض ببطء حتى أحكم قبضتيه.

لم يكن غضبه من رحلتها وحدها...

كان يعرف أكثر مما أخبرها به.

خرجت نورف من غرفة والدها وهي مثقلة بمشاعر متداخلة، لا تعرف أيّها أثقل عليها من الآخر.

الغضب، والحزن، والارتباك... كلها اجتمعت في صدرها، خصوصًا بعدما أعاد والدها ذكر أمها، تلك التي حاولت طوال ثماني سنوات أن تدفن ذكراها في أعمق مكان داخلها.

لكن كلمات والدها أعادت كل شيء إلى السطح دفعة واحدة.

دخل إيلان منزله واتجه إلى غرفته كعادته، لكن ما إن وصل حتى لحقت به السيدة موديان.

— سيد إيلان، لقد عاد والدك من سفره منذ قليل، ويريد التحدث معك.

أجابها إيلان بهدوء:

— حسنًا، سألحق به قريبًا.

استدارت موديان لتغادر، لكنها توقفت والتفتت إليه مرة أخرى.

— هل هناك شيء؟ أراك شارد الذهن منذ أن وصلت.

تنهد إيلان، ثم قال:

— يبدو أنه أقحمني في عمله أيضًا.

عقدت موديان حاجبيها باستغراب.

— اشرح لي أكثر يا إيلان، لم أفهم شيئًا.

نظر إليها للحظة، ثم قال:

— سأشرح لكِ، لكن ليس الآن. سأذهب لأرى ماذا يريد.

ثم غادر الغرفة متجهًا إلى والده، بينما بقيت موديان تراقبه بنظرة قلقة.

دخل إيلان إلى غرفة والده.

— أهلًا أبي. قالت موديان إنك تريد التحدث معي.

أشار والده إلى المقعد أمامه.

— نعم، اجلس.

جلس إيلان، فتابع والده:

— وصلنا طلب من جامعتكم لإرسال بعض الطلاب إلى مختبر المنظمة، كنوع من النشاط الميداني.

توقف لحظة، ثم نظر إلى إيلان مباشرة.

— وسأكون أنا المسؤول عن الإشراف عليهم.

بقي إيلان صامتًا، بينما أكمل والده:

— وقد رأيت اسمك بينهم.

رفع إيلان عينيه إليه وقال بهدوء:

— أتريد أن تقنعني بأن هذه صدفة؟

تنهد والده، ثم قال:

— أريد أن أحميك يا بني. إنه مكان حساس، ولا أريدك أن تتورط في مشكلات هناك.

ثم مد يده وربت على كتفه.

— أتمنى أن تفهم ذلك.

لم يجد إيلان ما يقوله. اكتفى بالنظر إلى والده للحظات، ثم نهض وغادر الغرفة بصمت.

دخلت موديان إلى الغرفة وهي تحمل الشراب، وقد لاحظت ملامح إيلان المتوترة وهو يغادر.

تقدمت بهدوء، ووضعت الشراب أمام والده.

— شكرًا لكِ، موديان.

ترددت قليلًا، ثم قالت:

— سيدي، لا أريد أن أتدخل، لكن إيلان يحتاج إلى أن تكون بجانبه، لا أن تراقبه أينما ذهب. لم تجلس معه منذ مدة.

تنهد، وأمسك بالشراب بين يديه، ثم قال بصوت مرير:

— لا أستطيع... كلما نظرت إليه، تذكرت وجهها.

قالتها موديان بسرعة، وكأنها لم تستطع منع نفسها:

— لم يكن له ذنب في ذلك.

رفع عينيه إليها، وقال بصوت متوتر:

— أعلم أنه لا ذنب له... لكنه يجعل الأمر أصعب عليّ.

وضع يده على جبينه، ثم أضاف:

— أنا أحاول حمايته فقط.

نظرت إليه موديان باستغراب.

— تحميه من ماذا، سيدي؟

رفع عينيه إليها، وبقي صامتًا لثوانٍ.

ثم قال بهدوء حاسم:

— يمكنكِ الذهاب الآن.

بينما كانت نورف تجلس في غرفتها أسندت ظهرها الى الحائط وأغمضت عينيها.

كان صوت والدها لا يزال يتردد في رأسها:

— لم يكن حادثًا يا نورف.

فتحت عينيها ببطء.

— إذن ماذا كان؟

قاطعها صوت عمها من خلف الباب:

— نورف، انا وجابسر نريد الاطمئنان عليك هل يمكنني الدخول؟

نهضت نورف، ومسحت عينيها سريعًا قبل أن تجيب بصوت متعب:

— نعم، ادخل.

دخل آدم، وما إن نظر إلى ملامحها حتى تمتم:

— أممم... يبدو أن حديثك مع والدك لم يسر كما أردتِ.

جلست نورف، ثم وضعت رأسها بين يديها.

— كان ينظر الى صورها قبل ان ادخل ولكنه سرعان ما اخفى ذلك، هو لا يزال يزعم أن المنظمة هي من قتلتها... ولا يملك أي دليل على ذلك.

رفعت رأسها، وأغمضت عينيها قليلًا، ثم نظرت إلى عمها بتساؤل:

— عمي... هل تعلمون شيئًا لا أعلمه؟

ساد الصمت للحظات، قبل أن يجيب آدم بهدوء:

— لو كنت أعلم، لأخبرتكِ.

ثم ابتسم ابتسامة خفيفة وأضاف:

— أنا لا أستطيع مجاراة والدكِ في الغموض.

همَّ آدم بالمغادرة، لكنه توقف وكأنه تذكر شيئًا، ثم عاد وجلس قبالتها.

— نورف، ما الذي يجعلكِ مصرة هكذا؟

نظرت إليه نورف للحظات، ثم قالت:

— أريد أن أخلّص أبي من خوفه. أريده أن يفهم أن المنظمة لا علاقة لها بموت أمي... إنها تخدم ميلانا.

خفضت عينيها، وراحت تداعب فرو جابسر الناعم بأصابعها.

— وأريد أن أرى المكان الذي كانت فيه أيضًا.

سكتت قليلًا، ثم قالت بهدوء:

— اشتقت إلى لوفيا... لم نزرها منذ أن انتقلنا منها.

لم يجب آدم، واكتفى بالنظر إليها للحظات، قبل أن ينهض ويغادر الغرفة.

بقيت نورف وحدها.

ظلت كلمات والدها تعود إلى ذهنها، تتداخل معها كلمات آدم، ثم تعود صورة أمها من جديد. حاولت أن تصرف أفكارها، لكنها كلما فعلت، وجدت نفسها تعود إلى السؤال ذاته.

ماذا حدث لها حقًا؟

وهل كان والدها مخطئًا طوال هذه السنوات؟

أم أن هناك شيئًا لم يخبرها به أحد؟

كيف وجدت الرواية؟