**الفصل الأول**
كان نجم ميلانا قد ظهر ببطء فوق الأفق، معلنًا بداية النهار، بينما بقيت نورف غارقة في نومها داخل كبسولتها، تحت ضوئها الخافت.
لاحظ والدها غيابها، فتنهّد وتمتم لنفسه:
— أتساءل متى ستترك هذه العادة... هذه البنت؟
اتجه نحو غرفتها، وتوقف أمام الباب ليلقي نظرة على ساعته.
— تأخرت كثيرًا هذه المرة...
فتح الباب قليلًا، فأطلّ برأسه إلى الداخل. كانت نورف غارقة في نومها، لا يظهر من وجهها سوى جزء منه خلف غطائها الشفاف، بينما كان جابسر نائمًا في إحدى زوايا الغرفة.
ابتسم والدها وقال:
— قد عاد جابسر أيضًا إلى النوم...
ثم ناداها:
— نورف؟
لم تجبه.
— نورف؟
تنهد، ثم رفع صوته قليلًا:
— نورف، إنها الثامنة والنصف.
تحركت تحت الغطاء، وفتحت إحدى عينيها بصعوبة. نظرت إليه للحظات، ثم تمتمت بنعاس:
— آه... بدأت المحاضرة.
ظل والدها واقفًا عند الباب لثوانٍ، قبل أن يقول بنبرة حادة قليلًا:
— نورف، هيا.
جاءه صوت مكتوم من تحت غطائها الشفاف:
— نعم، نعم... قد نهضت.
أطلق زفيرًا حادًا وقال:
— نورف، ما زلتِ هنا.
رفعت الغطاء عن وجهها، وقد ارتسم التذمر على ملامحها.
— حسنًا، أعلم أنني تأخرت. سأجهز سريعًا.
بعد دقائق، كانت قد غسلت وجهها وغيّرت ملابسها، ووقفت أمام المرآة تربط شعرها، بينما ظل صوت والدها يصل إليها من خارج الغرفة:
— هيا، أسرعي! ستتأخرين أكثر.
نزلت إلى المطبخ، فوجدت الفطور جاهزًا. ألقت نظرة على الساعة، ثم على والدها، وأمالت رأسها قليلًا قبل أن تسأل:
— أين عمي وجابسر؟
أجاب وهو يكمل عمله:
— قد ذهبا إلى العمل.
— آه... يبدو أنني الكسولة الوحيدة في هذا المنزل.
— دعيكِ من هذا الكلام، ستتأخرين. تناولي فطورك.
نظرت إلى الساعة مرة أخرى، ثم قالت:
— أبي، أنت تعلم أنني متأخرة.
— أعلم.
ثم دفع إليها علبة الطعام الجاهزة.
— خذيها معك.
ابتسمت وقالت:
— أبي، أنا لست طفلة في الثامنة.
استدار إليها، ورفع المنشفة عن كتفه.
— إذن تصرفي بمسؤولية قليلًا.
ثم دفع علبة الطعام نحوها مجددًا.
— هيا، خذيها.
تنهدت وأخذتها.
— حسنًا.
اتجهت نحو الباب، وقبل أن تخرج، قال والدها بنبرة أخف:
— مع ذلك... ما زلت أراكِ في الثامنة.
توقفت للحظة، ثم التفتت إليه بابتسامة صغيرة، وأومأت برأسها قبل أن تغادر.
بقي والدها واقفًا مكانه للحظات، يراقب الباب الذي أُغلق خلفها، ثم عاد إلى عمله بهدوء.
وصلت نورف إلى القاعة أخيرًا.
وقفت أمام الباب، وضمت شفتيها ورتبت ملابسها سريعًا، ثم أخذت نفسًا قصيرًا قبل أن تفتحه.
ما إن فُتح الباب حتى استدارت أنظار الطلاب نحوها، وتوقف المحاضر عن حديثه.
نظر إليها لعدة ثوانٍ بصمت، ثم تنهد وأكمل حديثه وكأنه اعتاد هذا المشهد.
خفضت نورف رأسها قليلًا، وأكملت طريقها بين مقاعد الطلاب حتى وصلت إلى مقعدها وجلست بجانب ليزا.
دنت ليزا من مقعد نورف، وأبقت عينيها مثبتتين نحو الأمام، ثم قالت بصوت خافت:
— أتساءل عن فائدة هذا الشيء في معصمكِ... ألا ترين كم مرة اتصلت بكِ؟ أين كنتِ؟
أجابتها نورف بكل هدوء:
— كنت أتناول فطوري في الخارج.
التفتت ليزا إليها ورفعت حاجبيها، ثم قالت بنبرة ساخرة:
— أتمنى لو أمتلك ربع هذا البرود الذي تتمتعين به يا فتاة.
ارتسمت على وجه نورف ابتسامة صغيرة، ثم همست:
— أنصتي فقط.
التفتت ليزا إليها هذه المرة، وكأنها تذكّرها بشيء بديهي:
— تتحدثين وكأنكِ وصلتِ قبل المحاضر.
ثم أشارت بعينيها إلى العداد المضيء المثبت على الجدار.
— ألا ترين العداد؟ لقد تجاوزنا نصف المحاضرة بالفعل.
نظرت نورف إلى العداد للحظة، ثم عادت ببصرها إلى المحاضر وكأن الأمر لا يعنيها.
تمتمت ليزا:
— مذهل... حتى الوقت لا يستطيع استعجالكِ.
انتهى العداد المضيء على جدار القاعة، فأوقف المحاضر شرحه معلنًا نهاية الدرس.
وما إن سكت حتى بدأت الأصوات تتعالى في أرجاء القاعة، وتحرك الطلاب من مقاعدهم استعدادًا للمغادرة.
تنهدت ليزا وهي تنهض من مكانها.
— كنت على وشك الدخول في سبات.
ضحكت نورف، لكن صوت المحاضر قاطع حديثهما:
— من فضلكم، أنصتوا قليلًا.
توقفت الأصوات تدريجيًا، والتفتت الأنظار نحوه.
أضاف:
— البرفسور جوزيف يريد التحدث معكم.
ثم أشار إلى المقاعد.
— اجلسوا في أماكنكم، رجاءً.
قالت نورف بضجر وهي تعيد ترتيب أغراضها:
— ليس هذا وقت كلامك، يا برفسور.
التفتت ليزا إليها، ثم قالت بسخرية:
— لا يحق لكِ التذمر، بالكاد لحقتِ نصف المحاضرة.
نظرت إليها نورف بضيق.
— لم أطلب رأيك.
ابتسمت ليزا وعادت تنظر إلى الأمام.
— ومع ذلك، ستحصلين عليه مجانًا.
دخل البرفسور جوزيف إلى القاعة ببدلته الأنيقة، ثم وقف أمام الطلاب وقال:
— صباح الخير. لا أريد أن آخذ من وقتكم كثيرًا.
ضم يديه أمامه، وألقى نظرة على القاعة قبل أن يتابع:
— لابد أن تدركوا مدى أهمية ما تتعلمونه اليوم، والدور الذي ستؤدونه في خدمة ميلانا مستقبلًا.
توقف لحظة، ثم تابع:
— وبناءً على ذلك، أعلنت الجامعة عن نشاط جديد إلى جانب نشاطاتكم السنوية المعتادة، وأنا متأكد من أنه سيخدمكم كثيرًا في مسيرتكم القادمة.
بدأت بعض الهمسات تتعالى بين الطلاب، فأكمل جوزيف:
— ستُرسل مجموعاتكم إلى مواقع مختلفة في ميلانا، حيث ستعمل كل مجموعة على جمع قدر من الخبرة والمعلومات المتعلقة بالموقع المخصص لها.
ثم ابتسم ابتسامة خفيفة.
— اعتبروها فرصة لتتعلموا خارج القاعات... فبعض الأشياء لا يمكن فهمها من خلال المحاضرات وحدها.
تنهد البرفسور جوزيف، ثم قال:
— هذا كل ما لديكم الآن. يمكنكم إلقاء نظرة على شاشات العرض في الخارج لمعرفة المواقع المخصصة لمجموعاتكم، فقد زُوّدت كل مجموعة بجميع المعلومات التي تحتاج إليها.
ثم ابتسم ابتسامة خفيفة وأضاف:
— أتمنى لكم يومًا جيدًا.
أنهى حديثه، وغادر القاعة، بينما بدأت الهمسات تعود بين الطلاب من جديد.
قالت ليزا وهي تنظر إلى الباب:
— هذا مستحيل... هل أنا مضطرة للذهاب معهم مرة أخرى؟ مع أولئك المجانين؟
قالت نورف وهي تتجه نحو الباب:
— كفي عن هذا، ولنرَ إلى أين سنذهب.
اتجهتا نحو باب القاعة، وقبل أن تخرجا جاءهما صوت من الخلف:
— أشفق عليكما... ستكونان محبوستين معهم في مكان واحد.
التفتت نورف إلى تينا، وقالت بنبرة متململة:
— تينا، إنكِ تبالغين. هم ليسوا بهذا السوء.
ثم أشارت بعينيها نحو ليزا.
— أليس كذلك، ليزا؟
ابتسمت ليزا ابتسامة مصطنعة وقالت:
— نعم... إنهم ألطف من قابلت في حياتي.
ثم أمسكت بذراع نورف بخفة وسحبتها نحو الباب.
— هيا، لنذهب قبل أن أغير رأيي.
اتجهت نورف وليزا نحو باب القاعة، وما إن خرجتا إلى الممر حتى قالت نورف بنبرة ساخرة:
— أتساءل متى ستترك تينا عادتها المتطفلة تلك.
ضحكت ليزا وهي تسير بجانبها:
— عندما تجد شيئًا آخر تتطفل عليه.
واصلتا طريقهما نحو شاشات العرض، وما إن وصلتا حتى وجدتا أفراد مجموعتهما قد سبقوهما إلى هناك.
نظرت نورف إليهم، ثم التفتت إلى ليزا وقالت بنبرة ساخرة:
— يبدو أنهم متحمسون لمرافقتكِ.
رمقتها ليزا بنظرة جانبية، ثم زفرت بضيق:
— لا تذكّريني.
انضمت نورف وليزا إلى أفراد فريقهما، فتبادلت أعينهم النظرات للحظات.
رسمت ليزا ابتسامة مصطنعة وهي تنظر إلى أريس، ثم قالت نورف:
— هل عرفتم إلى أين ستكون وجهتنا؟
فتح إيلان فمه ليجيب، لكن أدمر سبقه:
— كنا في انتظاركما.
رفعت ليزا حاجبها وقالت:
— منذ متى؟
رمقتها نورف بنظرة جانبية، وكأنها تحذرها من البدء مجددًا.
ثم أشارت نحو شاشات العرض وقالت:
— هيا، لنرَ إلى أين سنتوجه.
اقترب إيلان من شاشة العرض، وما إن ظهر اسم الوجهة حتى تجمد في مكانه.
**منظمة ميتا للأبحاث.**
تغيرت ملامحه للحظة، ولاحظ أدمر ذلك، لكنه لم يقل شيئًا.
أما أريس، فابتسم بحماس وقال:
— أووه... مكان بعيد. مغامرات قادمة، هذا ما نحتاجه الآن!
تمتمت ليزا وهي تنظر إلى الشاشة:
— حقًا؟ هل سأضطر للسفر مع هؤلاء؟
بقيت نورف تحدق في اسم المنظمة، وقد ساد الصمت للحظات.
ثم بدأت نظرات أفراد الفريق تتجه نحوها، وكأنهم نسوا تمامًا ما تمثله هذه المنظمة بالنسبة إليها.
قطعت ليزا الصمت قائلة:
— نورف، يمكنكِ تقديم طلب رفض. ليس عليكِ المجيء معنا.
رفعت نورف عينيها عن الشاشة، وقالت بهدوء:
— لا... لا داعي لذلك.
ثم عادت بنظرها إلى اسم المنظمة.
— سأذهب.
بقيت نورف محدقة في اسم المنظمة على الشاشة، ثم سألت بهدوء:
— كم تبقى على الرحيل؟
أجابها أدمر:
— أسبوع.
هزت نورف رأسها ببطء، وتمتمت لنفسها:
— أرجو أن يكون كافيًا لإقناعه.
لاحظت ليزا تغير ملامح نورف، فتقدمت نحوها وأبعدتها قليلًا عن بقية الفريق، ثم وضعت ذراعها حول كتفها وقالت بنبرة مرحة:
— هيا يا نورف، ألم تقولي إنكِ جائعة؟ فلنذهب.
ثم التفتت إلى البقية ولوّحت بيدها.
— وداعًا يا رفاق، نلتقي غدًا.
سحبت نورف معها قبل أن تمنحها فرصة للاعتراض، بينما بقي أفراد الفريق ينظرون إليهما للحظات.
عاد إيلان إلى هدوئه المعتاد، محاولًا ألا يلفت انتباه أحد إلى التغير الذي طرأ على ملامحه. لكن رأسه لم يتوقف عن التفكير.
ظل اسم المنظمة يتردد في ذهنه.
**منظمة ميتا للأبحاث...**
كان يعرف أن هذه الرحلة لن تكون عادية.
وبينما كان إيلان يحاول استعادة هدوئه، لاحظ حماس أريس الواضح، فقال له بنبرة هادئة:
— اهدأ يا صديقي، لن تسافر عبر المجرات.
ضحك أريس وقال بحماس:
— لا تقل ذلك، ربما تكون هذه بداية شيء أكبر مما نتوقع.
نظر إليه إيلان للحظة، ثم أعاد بصره إلى شاشة العرض دون أن يجيب.
ابتسم أريس وقال:
— سأذهب الآن، بالكاد سألحق بالاستعداد لرحلتي. أراكم غدًا، يا قاتلي المتعة!
لوّح لهم بيده وانطلق في الممر بخطوات سريعة، بينما ظل إيلان يراقبه للحظات قبل أن يزفر ويعود بنظره إلى شاشة العرض.
عاد إيلان بنظره إلى أدمر، فوجده يضع يديه في جيبيه، وعلى وجهه ابتسامة صغيرة.
— هذا هو أريس.
ثم بدأ الاثنان بالسير في الممر، وبعد لحظات من الصمت قال أدمر:
— لماذا توترت عندما قرأت اسم المنظمة؟
أجاب إيلان دون أن ينظر إليه:
— لم أتوتر.
هز أدمر رأسه ببطء.
— ليس كثيرًا... لكنك توترت.
صمت إيلان، فتابع أدمر بنبرة أكثر جدية:
— أخبرني، هل أنت قلق من وجوده هناك؟
اكتفى إيلان بالصمت، وأكمل سيره دون أن يجيبه.