سرمد

الفصل 1

رماد الطفولة ونداء الدماء

554 كلمة · 3 دقيقة للقراءة

🔊 ElevenLabs

كان الضباب يبتلع جذوع أشجار الغابة العتيقة، وكأنه وحش صامت. كانت القافلة البائسة تسير بحذر؛ أنفاس المهاجرين تتصاعد في الهواء البارد كالدخان، وأصوات عجلات العربات الخشبية تكسر سكون الصباح.

لم يأتِ الموت بضجيج، بل خرج من بين الأشجار على هيئة ظلال مشوهة.

لم تكن هناك صرخة تحذير، ولا وقت للهرب. فقط لمعان عيون صفراء في العتمة، ومخالب شقت الضباب... وأعناق الرجال والنساء معًا.

في ثوانٍ، تحولت ترانيم السفر إلى صرخات، وامتزجت الدماء الساخنة ببرودة صقيع الغابة.

وعلى بُعد أميال من تلك المجزرة، كانت زقزقة العصافير تصنع سلامًا كاذبًا في إحدى جزر الأطراف المنسية.

جلس لوجارو، الصبي النحيل ذو النظرات الشاردة، يراقب أطفال القرية وهم يركضون خلف كرة بالية. لم يحاول الانضمام إليهم؛ فقد اعتاد نظرات التهميش والهمسات التي تلاحقه كظله.

بعد قليل، عاد إلى كوخه الخشبي المتهالك، حيث كانت جدته العجوز تجلس في الزاوية.

انحنى جسدها الهزيل في نوبة سعال عنيفة. وحين رفعت يدها المرتجفة عن فمها، كانت بقع حمراء داكنة قد لطخت قطعة القماش الرثة.

كان الموت يقترب منها بهدوء.

مدت إليه كسرة خبز قاسية، ثم وضعت أمامه بضع قطرات من الماء.

قالت بصوت متعب:

— كل يا بني... فأنت لم يتبقَّ لي سواك في هذه الحياة، وذكراك هي الشيء الوحيد الذي بقي لي من أمك.

نظر لوجارو إليها بعينين دامعتين، ثم قال:

— لكن يا جدتي، أنتِ لم تأكلي منذ أسبوعين! أرجوكِ، تناولي شيئًا. لماذا تضحين بنفسك من أجلي؟ صحتك تتهاوى!

نظرت إليه الجدة بدفء، وارتسمت على وجهها ابتسامة هادئة رغم الألم.

— أريد منك شيئًا واحدًا فقط... أن تحافظ على تلك القلادة.

لكن القدر كان يخبئ ما لم يكن منتظرًا.

دَن... دَن... دَن...

لم تكن دقات جرس القرية تعلن عن احتفال.

كانت نذير شؤم، يرجف له قلب كل فقير.

لقد وصلت قبضة العدالة الحديدية.

وقف لوجارو خلف باب الكوخ نصف المفتوح، يراقب الدروع الفضية اللامعة وهي تعكس شمس الظهيرة. وفي المقدمة، كان اللورد ألفرد يسير بخطوات ثقيلة، وملامحه تنضح بالغطرسة، بينما يتدلى سوطه إلى جواره.

لم يكونوا هنا لحماية الناس من الغيلان التي تنهش الأطراف.

بل لنهش ما تبقى من أرواح البشر.

كانت ركلة واحدة من حذاء أحد الجنود كفيلة بتحطيم باب أحد الأكواخ، بينما ارتفعت صرخات النساء مع كل عملة نحاسية تُنتزع بالقوة.

من يدفع... ينجو.

ومن لا يدفع... يُقتل بلا رحمة ولا شفقة.

وصلت الخطوات الثقيلة إلى كوخ لوجارو.

ركل ألفرد الباب الخشبي، فتحطم نصفه.

— ضريبة الحماية، أيتها العجوز!

بصق ألفرد كلماته وهو ينظر إلى الجدة باحتقار.

توسلت الجدة بصوت متقطع، وعيناها تفيضان بالدموع:

— لا أملك شيئًا يا سيدي... بالكاد نجد كسرة خبز...

لم ينتظر ألفرد نهاية جملتها.

هوت قبضته ببرود مرعب على وجهها المجعد، فارتطم جسدها الضعيف بالأرض الترابية. وانفجر سعالها، مصحوبًا بالدم.

وقبل أن تتمكن من رفع رأسها، سحب ألفرد خنجره القصير، وبحركة خالية من التردد، غرسه في ظهرها.

ساد صمت مميت داخل الكوخ.

كان لوجارو يقف هناك، والعالم يتهاوى من حوله.

لم يصرخ.

لكن عينيه اتسعتا حتى كادتا تتمزقان.

نار سوداء التهمت ما تبقى من براءته في لحظة واحدة.

التقطت أصابعه المرتجفة مقبض سكين صدئ كان ملقى على الطاولة. قبض عليه حتى ابيضت مفاصله، ثم اندفع كوحش جريح نحو ظهر ألفرد.

لكن قبل أن يصل نصله إلى هدفه، التفّت ذراع خشنة حول صدره، وأطبقت كف واسعة على فمه لتكتم صرخته.

كان روبيرتو، العجوز المجاور.

سحب روبيرتو الصبي إلى الظل، وأحكم قبضته على اليد التي تحمل السكين.

كان لوجارو يختنق، لا من قبضة روبيرتو، بل من الحقد الذي يغلي في عروقه.

ومن بين أصابع العجوز التي تكتم فمه، بقيت عينا لوجارو مثبتتين على ألفرد المبتسم...