بعد ما انتهت جدتي من مداواة جراحي سارعت إلى الفراش مباشرة لأنال قسطي من الراحة، ما إن أرحت رأسي على الوسادة حتى غادرني النعاس فشردت فالجدار قبالتي أسترجع أحداث اليوم الغريبة وخاصة ذاك العقاب حتى تذكرت أن لي عينا قرمزية!!.
توجهت لمرآة الحمام مسرعا لتفقدها ولحسن حظي أن لونها عاد لأصله فهممت متجها لغرفتي، دلفت وجلست قرابة تلك النافذة وكل ما يشغلني هو لون دمائي الأسود، كيف يمكن للمرء أن يخلق بدم أسود يسري في عروقه؟ ولماذا بالتحديد جدي من امتلك هذه الصفة الوراثية من بين جميع أفراد العائلة السابقين؟ ولماذا انتقلت لي بالتحديد؟ آخر سؤالي راودني كان سخيفا نوعا ما فقد تذكرت أني أول وآخر حفيد في من تبقى من عائلتي، لازلت أجهل ماهية والداي أو ما كان مصيرهما، أجهل لماذا نبذت من طرفهما أو سبب عدم تواجدهما في حياة ابنهما الوحيد...
ظللت قرابة الساعة أتأمل الجو خارجا محاولا إيجاد مبررات او تفسيرات بسيطة تشفي غليلي وتسكت ضميري حتى توارى إلى مسمعي صوت صرير صادر من المطبخ في الأسفل، نزلت السلالم حتى أتفد الوضع فإذ بي ألحظ جدي يخرج من غرفته فتوجست خيفة نوعا ما خاصة أن السائل المقرف داخلي ورث منه.
لم تكن علاقتي بجدي بتلك العلاقة الوطيدة فأنا لا أعرف عنه تقريبا سوى أن اسمه الكامل هو حسن علي وأيضا كانت جدتي تروي لي بعض المواقف لها مع جدي في جلساتنا بعد الانتهاء من تناول العشاء،
فهو لم يكن يحضر للبيت سوى ليلا لينام مباشرة.
حسب ما قالت جدتي مرجانة فجدي حسن كان يعمل عملا شاقا يستلزمه اليوم بطوله ولم تخبرني قط بماهية هذا العمل رغم فضولي وسؤالي المتكرر عنه ومع ذلك لم أتمكن من سؤاله هو مباشرة فملامحه وحدها كانت كفيلة بإخافتي كما أنه كان حاد الطباع غليظ الصوت ولا يتعب نفسه حتى بالحديث معي أحيانا كما لو كنت مجرد عبء ثقيل عليه.
لم أشغل نفسي بسبب خروج جدي من غرفته في هذا الوقت خصوصا أنه يكرسه للنوم بل أكملت نزولي السلالم لارتشف بعض الماء البارد لأشبع ظمئي في هذا الحر،
لما نويت العودة للغرفة والنوم قابلني جدي بتلك الملامح المهيبة وقابلته بدوري بمثلها ولكن ما استغربني هو سؤاله عن حالي وعن جرح ساقي، استغربت حقا فكيف علم بأمر الجرح؟ وكيف علم بالأساس بما قد جرى سابقا لي؟ لقد أوصيت جدتي بكتمان أمره عن جدي أنا لا أريد أن أوبخ من قبله...
ناظرني بنظرة فاترة قائلا:
-"لا تغضب من جدتك فهي لم تشِ بسرك لي "
لم أفهم مغزى قوله هذا وهو لم يهتم بإعطائي تلميحا لأفهم حتى بل أرسل لي بسمة فاترة أكمل مسيرته خارج البيت غير مبال بي.
راودتني كثير من الأسئلة في تلك اللحظة بالذات، أين يذهب في منتصف الليل؟ وهل يخرج من المنزل كل ليلة دون علم جدتي؟ لماذا يعاملني بجفاء؟ لما يصدني كل مرة ويصر على إبقاء فجوة بيننا؟ والأغرب ماذا يخفي خلف تلك الابتسامة الفاترة؟ لا اظن أني سأعرف عنه شيئا مادام أنه لا يبتغيني أن أعرف.
لم انتظر جوابا لكل سؤال بل أسرعت خارج المنزل أتبع بخطى ثابتة في دجى الظلام لأشبع جزءا من فضولي حوله، كان جدي حريصا جدا على أن لا يتبعه أحد أثناء هرولته وكأنه يخفي شيئا ليس فقط بالخطير، كما حرصت على أن أبقي بيني وبينه مسافة لا بأس بها مخافة أن يكتشف تتبعي له.
تابع جدي طريقه يسيرا بطريقة عادية تارة ويهرول تارة كما لو أن شيئا خلف الظلام يناديه ليهب إليه حتى اقترب من مشارف الغابة فإذ به يلتفت فجأة فاختبأت بسرعة خلف جذع شجرة الدردار كبيرة خشية أن يراني، انتظرت برهة من الزمن لأنفي شكوكه حول ما إن كان هنالك من يتبعه حقا لكن ما إن شرعت في مواصلة تتبعه حتى أدركت أني فقدت أثره واختفى فجأة من العدم فطفقت أعود للبيت مستسلما لمحاولتي الفاشلة.
دلفت المنزل يائسا ثم تواليت إلى غرفتي دون إصدار صوت يوقظ جدتي فأنا في غنى عن مناوشاتها حاليا، قابلني سريري باسما فارتميت عليه مستشعرا دفء ملاءتي فغست في نوع عميق مباشرة فأنا بالكاد أستوعب فكل حدث أغرب من سابقه وتاليه.
أشرقت شمس الصيف الحارة كعادتها رغم كوننا في شهر سبتمر، نهضت باكرا ذاك الصباح رغم ما فات ليلة أمس وتوجهت مباشرة لمطبخ المنزل لأسلم على جدتي فجلست نحو الطاولة الموضوع عليها كعك جدتي اللذيذ، لم أقوى على منعي نفسي من التهامه كله فجأة توالت إلى ذهني مقتطفات من الأحداث السابقة، فسألت في عفوية:
"لماذا يخرج جدي في منتصف الليل؟ هل لهذا علاقة بطبيعة عمله؟".
استدارت جدتي لي وقد بدت عليها أمارات الاستغراب والارتباك:
"ماذا تقصد بقولك؟ جدك لا يبرح سريره حتى قرابة السادسة صباحا"
هززت رأسي بالإيجاب محاولا تصديقها ومقنعا لنفسي أن كل هذا مجرد وهم فلم أرد الاستمرار في هذا النقاش فقد بدا فيه شيء من العقم.
انهيت طعامي ثم خرجت حتى استمتع بأشعة الشمس الذهبية فقد كان الجو يدل على سكينة مثالية لجولة في القرية خاصة أن هذا الأسبوع يعتبر الأخير من العطلة الصيفية، أخذت أسير في الأزقة الترابية لهذه القرية النائية اتأمل ضجيج سكانها وباعتها الجوالين الذين تجدهم في كل الأنحاء خاصة الساحة العامة للقرية.
أثناء جولتي لمحت أن أحد المنازل في الساحة قد بيع وهاهم أهله يستعدون لتعميره بممتلكاتهم الثمينة التي توحي بأنهم ليسوا عائلة من الطبقة المتوسطة،
أظنها كانت أسرة متكونة من أب وزوجته وابنته،
لم أبد أي اهتمام على أية حال فالعلاقات البشرية ليست بتلك الأهمية بالنسبة لي، تابعت مسيرتي حتى قادتني قدي نحو تلك الشجرة التي بدأت منها سلسلة هلوساتي، أسدلت ناظري لذاك الجذع مسترجعا ذكرى رؤيتي للعقاب حتى توالى إلى مسمعي صوت ليس غريبا وليس مألوفا، لقد كان صوت جدي ينادي باسمي.
كان واقفا قرابة باب المنزل ينتظرني حاملا في يده صندوقا من الخشب المهترئ، خطوت نحوه لألبي ندائه مع أني استشعرت الريبة في مطلبه لي، وقفت أمامه ولم ينبس سوى بكلمة "اتبعني" التي قالها بنبرة يلفها الغموض، التففنا حول الدار وسرنا قبالة الغابة في نفس الطريق التي كان يخطوها ليلا حين كنت اتبعه، أدركت أن ما كان يحدث في تلك الليالي ولم أكن واهما بل كان حقيقة واضحة.
لم يتفوه أي منا بلفظة حتى وصلنا إلى تلك الشجرة المشؤومة، وقف جدي حسن مطبقا ظهره على جذعها وقال بكل خفوت وبرود:
"لا تفكر كثيرا، فأنا على دراية تامة بأمرك وأعلم أيضا ما سيحدث تاليا."
استغرقت لحظات استوعب ما قاله للتو وكنت على وشك الإجابة إلى أن قاطعني بجملة سمعتها سابقا:
" أنت التالي يا عقاب... سامحني يا بني لكن ما باليد حيلة."
أخذ جدي حسن يدنو من ببطء حتى أخذني في حضنه راجيا مني العفو والسماح مع كل شهيق وزفير يصدره.
استمرت وضعيتنا وقت وجيزا حتى فرغ جدي من نحيبه وعاد لبروده المعتاد كما لو كان غلطة ارتكبها أمامي.
لم أتجرأ أن أسأله ما كان مقصده من طلب العفو إلا أن قطع شرودي:
"عقاب، أعي تماما أنك لا تملك أدنى فكرة عن ماهية حياتك أو ماهيتي أنا بالتحديد لكن كل ما يتوجب عليك علمه أن كل ما سيتعاقب لاحقا ليس ذنبك، أنت مجرد نقطة بيضاء دنست في السواد بالخطأ فكتبت عليها الدناسة أبد الدهر. غادر الآن ولا تلتفت ورائك وعد من نفس الطريق الذي أتينا منه وتذكر جيدا: أبقي ما رأيت خفيا في مكمونك."
لم أصغ إليه وبدأت أسئلتي تخرج من فمي:
" ما الذي تعنيه بكونه تعلم ما كان وما سيكون؟ ولماذا أتيتي بي إلى هنا؟ وما الذي ترجو مني أن أسامحك عليه؟ وماذا تقصد بقولك أن لا أتحمل الذنب؟"
لم يجب كعادته بل استمر بالتحديد في عيني اليسرى بنظرة يكمن في طياتها الأسى، عاد ليقف أمامي وهذه المرة مرر يده ماسحا بها رأسي وعيني حتى قال:
" أنت مميز يا بني، حقا مميز، غادر الآن قبل أن يتمكنوا منك..."
فجأة سرت ريح عاتية لا تناسب الجو الصيفي عاقبها صوت نعيق طائر بدى مألوفا، بعدها عم السكون الغابة فأوجس جدي حسن منه خيفة ثم هزني بسرعة آمرا إياي أن أرحل، استجبت لمطلبه بسرعة فقد تمكن مني أنا أيضا إحساس قوي بوجود رفقة معنا وتذكرت وصيته بأن أغادر دون النظر للوراء.
تابعت السير وقد تمكنت الحيرة مني فلم يكن يجول ببالي سوى مقاصد جدي الكثيرة كما أن إحساسا مؤلما يخالجني ويخاطبني بأن عاقبة الأمور لا تبشر بالخير مطلقا وأن كل ما فات ليس سوى بداية النهاية.
لمحت الساحة الخلفية لمنزلنا على أعقاب الغابة كما لمحت فتاة في قرابة عمري تبدو في غاية الحسن والجمال، فتاة ببشرة خمرية ذات شعر أسود كالدجى تزينه وردة بيضاء قرب أذنها ويتدلى على كتفيها بخصلات فحمية ناعمة لم تزدها سوى حسن على حسن، ذات عينين واسعتين مسودتين كعيون الريم، وشفاه مكتنزة صغيرة وردية وخدين محمرين تعلوهما غمازتان تشقهما، كما لو كانت ملاك منزلا.
سرحت في تفاصيلها ولم أع حتى رأيتها تقترب ناحيتي وتلوح لي بيدها طالبة المساعدة مني، استغللت اللحظة وتقدمت ناحيتها فأردفت من بعيد:
"أهلا بك في ضواحي القرية، هل تحتاجين عونا؟"
أجابتني وقد اكتسب خداها حمرة إضافية:
"نعم من فضلك، كرتي عالقة بين تلك الأغصان ولا أعرف كيف أسترجعها"
"لا تبكي، يمكنني إعادتها". قلتها والبسمة ترافقي فاهي
استغربت الفتاة من تعابيري وجهي السخيفة وأصدرت قهقهة خفيفة:
"لا بأس، أشكرك على حسن عونك."
فجأة ظهر رجل عجوز ينادي وقد اقترب منا ركضا:
"آنسة ليان، أقلقتني عليك لا تغيبي عن ناظري هكذا ثانية وإلا سيعاقب السيد كلانا"
اعتذرت المدعوة ليان بكل رسمية وود من هذا السيد الذي يبدو أنه خادم لعائلتها ومضت معه بكل رقة نحو الطريق المؤدي للساحة العامة للقرية، ثم استدارت وقالت:
" سأعود لاسترجاعها غدا لا تنسى ذلك"
لبثت مكاني أراقبها حتى غابت عن ناظري تماما حتى
خطر في بالي أنها قد تكون من تلك العائلة الجديدة، نظرت لأعلى الشجرة فلمحت كرتها العالقة، لم يكن بالصعب التسلق وإعادتها بالنسبة لي.
نزلت بسرعة حتى أتمكن من اللحاق بها، فقد وصلا للساحة رغم بعدها عن مسكني بمسافة لا بأس بها، لحقتها وقد انحشر كلاهما بين الجموع فأضاعتها عيني وكم حزنت على ذلك!
***
وجه كالبدر خمري بين الألوان
يلوح بابتسامة تهز الأكوان
وعينان كعيون الغزال مسودتان
وغمازتان تشقان خدها الفتان
***
عدت خائب الأمل ولا أدري لماذا يأبى خاطري أن تزول صورتها من عيني وفي يدي كرتها الحمراء المزينة بالزهور، نظرت لها وابتسمت في داخلي على مدى براءتها ولطفها أثناء حديثها معي.
جلست عند باب المنزل أراقب بشرود حركة الطيور،
اجتمعت الغيوم فالسماء على غير المتوقع منذرة بهطول مطر غزير، كما اسود المكان من حولي معطيا انطباع ما حدث سابقا كما لو كانت التفاصيل تعيد نفسها.
شعرت بقشعريرة تسري في جسدي كأنها نذير بالخطر، حتى سمعت نفس صوت الصفير الحاد الذي سمعته في الغابة مسبقا، رافقه نفس الإحساس بالصداع وتلك الأعين المتربصة من بعيد، سقطت أرضا أتلوى من ألم رأسي وبدت أصوات همسات غريبة تتعالى شيئا فشيئا بلغة غير مفهومة تتقارب إلى مسمعي كما تلوثت رؤيتي بضباب رأيت فيه ذاك الكيان دو الحدقيتين المتسعتين، ارتعبت أوصالي وانتابتني نفس المخافة في الغابة حينما كنت مع جدي حسن وفجأة عم هدوء قاتل وسكنت الأصوات والحركة فالأجواء، خيل إلي أن الزمن بحد ذاته توقف، نهضت من الأرض ببطء لكن وقعت عيني على ظل مريب يقف فوقي، رفعت رأسي آملا الخير حتى رمقت ذاك الكيان قد تجسد بصورة كاملة أمام منظري،
بدا مرعبا أكثر فقد توضحت ابتسامته الشريرة بأسنان حادة وقرون بها دم جاف بارزة من موضع أذنيه وكذا عينيه الجاحظتين تبرقان، عدت بجسدي للوراء حتى التصقت بالباب ورافقني اختناق حاد.
لم يبعد ناظره عن الأرض، أما أنا فلم أرغب سوى في الصراخ ولكن هيهات... لم أقدر حتى أن أنبس بآهة واحدة، تشنجت أطرافي إلا ساقي اليسرى فقد أحسست بسائل دافئ ينساب عليها، أسدلت ناظري فتفاجأت بجرحي ساقي يعاد فتحه ويخرج منه دمي الأسود تفوح منه رائحة اللوز المر حتى قطع الكيان صوت أفكاري قائلا بصوت أجش:
" أنت التالي...".
اختفى مباشرة بعد هذه العبارة، وظهر على الشجرة المقابلة ذاك العقاب المشؤوم مرة ثانية لكن هذه المرة اكتفى فقط بالتحديق تجاهي من بعيد دون أن يقوم بحركة مباغتة.
نصبت اهتمام جله على الألم فهو يزداد بالتدريج والدم ينبثق من ساقي بسيولة مع كل لحظة تمر، والعرق البارد ينساب بغزارة، شوشت قطرات المطر نظري ثم خارت قواي مباشرة وكان آخر ما التقطته عيناي هو منظر الكرة ليان الحمراء ملطخة ببقع من السواد ثم مجرد ظلام حالك...
***
صمت، كل ما يسمع هو الصمت
ما الذي جرى بالضبط؟ هل اعتبره ضربا من الخيال أم أتخذه كحقيقة مطلقة؟
نهضت ببطء وأنا كلي خوف من شيء أنا بحد ذاتي أجهله، من شيء بات يلاحقني في كل رمش عين كالظل، لمحت عيني بقعة سوداء على الكرة بجانبي فتذكرت جرح ساقي الدامي الذي كان قد محي كما لو لم يكن من الأساس، هل أصبحت أهلوس الآن؟ هل جننت أم ماذا؟ مهما حاولت جاهدا التفكير في الأمر فلم أكد أصل إلى تفسير منطقي لما قد سبق وأن حدث، ولم أعد أستطيع التمييز بين واقعي وأوهامي ولم أعد أهتم البتة بقدر اهتمامي باستعادة أنفاسي المسلوبة وعقلي المشتت.
حملت الكرة ثم دلفت للمنزل مهرولا للمطبخ بحثا عن شربة ماء بارد متجاهلا نظرات جدتي التي على غير العادة لا تبدو مستغربة من هندامي المبعثر أو الخوف البادي على ملامحي بل بالعكس بدت كما لو أنها كانت متوقعة لهذه الأحداث، لم أعرها بالا اتخذت سبيلا للحمام، غسلت الكرة من الدم العفن ثم اغتسلت انا بدوري، وأثناء وقوفي بالمرآة أتبادل النظرات مع انعكاسي عليها فجأة ابتسم ذاك الانعكاس بابتسامة بدت مألوفة ثم عض اصبعه حتى نزف وبدمه نقش عليها تلك العبارة مجددا "أنت التالي"...
فزعت حقا وتراجعت للخلف حتى سقطت أرضا، لكن مع ذلك لم تختفي صورتي على المرآة بل بدت وشك الانبثاق منها لكن تزامن ذلك مع دخول جدتي مرجانة للحمام بعد سماعها لصوت الارتطام،
لم تبدو عليها أمارات الاندهاش أو الخوف فقط مجرد سؤال عن الحال ثم غادرت تاركة إياي غارقا في حرتي،
لبثت مدة جالسا أرضا أحاول ربط الأمور ببعضها،
أولا حادثة العقاب ثم اكتشافي لسائل مقزز يسري في عروقي تتلوها أسرار جدي وبروز ذلك الكائن ثانية عند عتبة الباب والآن حادثة المرآة...
بدأت أدرك أن هناك رابطا وثيقا يربطني وجدي مع هذا الكائن، نهضت وتوجهت مباشرة لغرفتي لعلي أنال قسطا من الراحة، وضعت الكرة بعدما غسلتها فوق المكتب ثم استلقيت على السرير أخترق العتمة بنظري حتى غفت عيناي.
فتحتهما مجددا وها أنا ذا في قلب الغابة قرب شجرة الصنوبر المعتادة، فقلت وأنا أكز على أسناني:
"لماذا كل مهزلة تبدأ دائما عقب ظهور هذه الشجرة المشؤومة؟"
ولكن الجديد في الأمر أن ذاك الخيال الذي واجهني عند عتبة المنزل أظهر نفسه بصفة شبه كاملة واقفا ينتظرني في طريق يبدوا أن الشوك يتخلله وبذور كثيرة تبدوا كبذور المشمش وحبات اللوز المهشمة كما تباعثت فالجو رائحة خانقة.
لم أبرح مكاني بل ظللت أحدق مباشرة فيه حتى تراجع خطوات متساوية للوراء مشيرا لي بيده التي احتوت على أثر ندبة كنت قد شاهدت مثلها في كف جدي حسن بعدها استدار كليا وأكمل مسيره للمجهول أما أنا فأيقنت أنها إشارة منه حتى أتبعه،
سرت خلفه مبقيا بيننا مسافة أمان وكلما مشيت خطوة إنزاح ذاك الشوك وأخلى طريقي، حتى وصلنا بعد برهة إلى مجموعة من الأنقاض تشكل كوخا متداعيا كتب على جداره من الخارج تلك العبارة مرة أخرى، ولحد الساعة لا زلت غير مدرك لمعناها، أنا التالي لماذا؟
دخل الكوخ وبقيت أنا خارجه واقفا فشيء يحثني قائلا إن دخولي هو مفتاح لتغيير جذري في حياتي مع ذلك تجاهلته ودخلته بعده.
كان الكوخ عبارة عن غرفة واحدة واسعة نوعا ما تملؤها رائحة كريهة تشبه الخاصة بالجثث تتوسطها طاولة عتيقة تكاد أن تقع من فرط قدمها كما توسطت الجدار مكتبة بها كتب قديمة تبدو من الكتابة على مجلداته انها ليست بالعربية أو الفرنسية
كما فرشت الأرض ببساط أحمر عليه دائرة غريبة الشكل تقطعها بالتحديد ثمانية خطوط نقش على ستة منها رسومات غريبة لم أكد استبينها، كان على الجدار المجاور للمكتبة لوحان من الخشب متقاطعان يشكلان رمز الصليب المسيحي وقد اتسخا ببقع من المادة سوداء على الأغلب أنها ستكون بقع دم كخاصتي، كما كانت حجرة مستطيلة الشكل تبرز من الأرض مباشرة بدت كما لو أنها قبر كتب عليه بالدم" حسن "...
فقلت في ذاتي:" لما اسم جدي منقوش وهو على قيد الحياة؟؟"
انتهيت من معاينة الكوخ وتوجهت ببصري نحوه أقصد ذاك الكيان الذي انتظرني بروية حتى أفرغ من مراقبة الكوخ حتى نطق وأخيرا بلغة أفهمها وبلباقة مصطنعة قائلا:" أهلا وسهلا في كابوسك الجديد يا وريثي الأخير"
استغربت أنا:" ما الذي تقصده بقولك هذا؟ ومن أين تعرفني ولما أتيت بي إلى هذا المكان؟"
"تمهل ولا تتسائل كثيرا فالمعرفة تأتي بالصبر والتريث لكن تذكر أن ثمنها غال جدا"
تفوه بهذه الكلمات راسما ابتسامته تلك على وجهه ومشيرا بيده التي تحمل الندبة إلى تلك الألواح الخشبية وما إن رفعت نظري لها حتى اعتلتني الصدمة...
كان جدي حسن مصلوبا فيها معلقا بمسامير غليظة صدئة تخترق كفيه وبالتجديد وسط تلك الندبة التي يحملها والدماء المسودة تسيل من كلتاهما ومن فمه وعينيه كالشلال كما لا أنسى منظر خنجره الخاص الذي طعن به في منتصف صدره.
" أنت السبب يا عقاب، أنت من قتله ولا أحد غيرك سيرث ذنبه طوال حياتك"
توالت كلماته إلى مسمعي كطعنة حادة وفي نفس الوقت أحسست بسائل خاثر ينساب من يدي، دنوت بنظري فلاح لي خنجر جدي بينهما، تعالى صوت ضحكته واجتمعت دموع حول عيني ورميت ذاك السلاح على عجل وبدأت أتناحب ثم فجأة نهضت فزعا من هذا الكابوس الطويل ودمعة سالت من عيني دون وعي مني وخيال جثة جدي لا زال بين عيني، احترت في امري أصدق أم أكذب ثم رمقت كرة ليان موضوعة فوق المكتب فارتسمت صورتها الباسمة في مخيلتي ومعها شبح ابتسامة صادقة خرجت مني فتذكرت أن لي معها موعد بغية إرجاع أمانتها فما كان مني إلا أن ازدت حماسا متناسيا نوعا ما أمر ذلك المنام الخاطف.