الدم الأسود

الفصل 1

***عقاب وجرح سوداويان***

1,828 كلمة · 9 دقيقة للقراءة

🔊 ElevenLabs

وحيد كعادتي من نافذة غرفتي أراقب أقراني يلعبون ويمرحون رفقة بعضهم تحت الشجرة العملاقة التي تميز قريتنا الصغيرة وكنت أترقب الأجواء في الخارج وكلي أستفسر: "ألا يوجد من حادث خارق يحدث يكسر هذا السكون الممل الغائم؟"، فجأة كأن سؤالي استجيب له فإذ بي فجأة أرمق على جذع الشجرة المقابل عقابا أسودا منقاره يقطر بالدم قطرة بقطرة، حقيقة أوجس المنظر في نفسي خيفة لوهلة ولكن ما أرعبني حقا هو اختفائه في رمش العين.

وبخفة حركة انتفضت عبر النافذة إلى جذع الشجرة مستعينا به للوصول إلى الأرض، ما إن وصلت ولامست سطحها حتى أكملت السبيل نحو الغابة مسرعا لعلي ألحق به، صدق حدسي إذ لمحته متجها لعمقها وكأنه يدعوني لسباق سرعة سخيف ورغم سرعتي المعروف بها وتعودي على تضاريس الغابة إلا أن ذاك الطائر الدموي كان أسبق مني واختفى بعد مطاردة لا بأس بها من الزمن.

قطعت الأمل في اللحاق به لكن مهلا!! الآن استوعبت مدى تعمقي في أوصال الغابة فأنا لم أصل مطلقا إلى هذه النقطة سابقا ولكن بدل أن يتمكن مني الخوف، وجدتني اشتدني الحماس أكثر لاستكشافها فشرعت أخطط لما أنا مقدم عليه.

في بادئ الأمر لاحظت مدى تفرع السبل إلى قلب الغابة فانتابني شيء من الحيرة عن أي سبيل أختار، وبعد تفكير ليس بمطول وبما أنني لا أعرف إن كانت ستكون نهاية مسدودة أم لا قررت الاختيار عشوائيا فحسب واتخذت من شجرة البلوط معلما استند إليه في حال إذا ما ضعت فاتخذ سبيلا غيره.

لمتت شتات نفسي واستجمعت شجاعتي وانطلقت، بعد برهة من السير تطرق إلى مسمعي صفير حاد رافقه مباشرة إحساسي بتغير مفاجئ في الأجواء وصداع في الجزء الخلفي من رأسي كأنه ثقب ضخم وإحساس خانق بأعين تترقبني من كل صوب، اختفت كل هذه الأحاسيس بمجرد انتهاء ذاك الصفير الحاد وعودة لسكون المريب لقلب الغابة، أكملت المشي فانتهى بي المطاف إلى طريق مسدود إذ عدت إلى البداية كوني انتبهت لشجرة الصنوبر التي اتخذتها معلما ومدركا أنني قد أدخل في متاهة من نوع ما لا تملك إلا سبيلا واحد للفرج.

مع ذلك لم يتمكن مني اليأس فاتخذت سبيلا آخر أسلكه، بدأت السير من جديد ثم تكرر نفس الأمر مسبقا، صفير حاد مع إحساس بصداع قاتل، أعين متربصة، وفي رمش عين انتهت كذلك إلى نهاية مسدودة!!

تكررت نفس العملية ثلاث مرات أخريات، حتى أيقنت أن العشوائية ليست بحل وإنما بالتريث ومحاولة ربط الأمور ببعضها.

ملل قاتل، طائر أسود غريب ملطخ بالدم، تفرعات جديدة فالغابة لم أشهدها ولكن كل ما يشغلني هو لما أنا الوحيد الذي رأيت ذلك الطائر رغم أنه ظهر فوق شجرة يلعب أسفلها معظم أبناء الجيران؟؟ لما أنا فقط من استهويته ليستدرجني لعمق الغابة ؟؟ ما العلاقة التي تربط كل هذه الأحداث ببعضها؟ ... وبقيت على حالي هذه أتساءل وأجيب نفسي في كل مرة على أنها مجرد اوهام نسجها عقلي من فرط الملل او شيء من هذا القبيل، ثم أدركت أنني قد أتأخر على ميعاد العودة للدار فقد بدأت السماء تتبلد وتظلم بالتدرج وقد يصيب جداي قلق عارم بسبب تأخري هذا، فلما هممت بالنهوض والعودة من الطريق الأصلي، سمعت صوتا مريبا، صوتا رجوليا ينادي باسمي من البعيد كأنه فحيح أفعى، لست أدرك من أين يعرف اسمي أو من أين يعرفني بحد ذاتي، لكن كل ما أتيقن منه هو أن الرعب الحقيقي قد بدأ يتسلسل داخلي شيئا فشيئا.

مع ذلك لم أبد أي أمارات للخوف على وجهي بل ارتسمت معالم الشجاعة والتفت ببطء لأستبين من يناديني أو بالأحرى ما الذي يناديني. فتفاجأت باللاشيء، لا شيء فعليا حتى أن شجرة الصنوبر اختفت ولم يبقى سوى الأرض المفرشة بالتراب والحصى الكبير وفجأة ابتدأت الدنيا تسود في عينييَّ شيئا فشيئا حتى م الظلام كليا وعاد ذاك الصوت يناديني من بعيد ثانية فارتعبت وصرخت فلم أستطع تمالك الخوف هذه المرة أو السيطرة على مشاعر الرعب والهلع فلم أكن مجرد طفل يبلغ من العمر مجرد عشر سنين. عمني الهلع ثم في طرفة عين ظهر من ذاك العدم كيان أسود لم أستطع أن أستبين منه سوى بياض عينيه وبؤبؤيهما الجاحظين المسودان وابتسامة مريبة واسعة ناصعة البياض وكل ما نطق به هو تلك الجملة التي أرعب أوصالي:

" you’re up"أنت التالي ...

استيقظت فزعا ومن جبيني الصغير تتصبب قطرات ماء ساخن، فعلمت في الحين أن كل ما جرى مجرد كابوس مضى وانتهى وقد سيطر على تفكيري مذ رأيت ذاك العقاب.

فلما هممت بالرحيل عاد ذاك الطائر ليظهر على شجرة الصنوبر بازغا في السماء التي اسود معظمها وامتلأت بالغيوم معلنة عن أمطار غزيرة بدأت بالهطول، وهذا ما يزيد الجو غرابة، وقفت قبالته وجها لوجه وقطرات المطر تفصل بيننا، لا أنكر أن الخوف تملكني لكن كل ما أبديته هو السكون والتزام منافسة التحديق بيننا التي استمرت قرابة الخمس دقائق اختالني خلالها إحساس كاذب بالطمأنينة أنه مجرد طائر أسود وسينفر مني حتما فلا أملك شيئا لماعا يجذبه نحوي، أسدلت رأسي لفرط الألم فيه فلمحت ما استغربني بشدة هو انعكاسي في بركة الماء التي تشكلت إذ أن عيني اليسرى قد تغير لونها من الكستنائي إلى القرمزي، ظللت لوهلة أتأمل هذا التغيير، توقف بي الزمان في ذكرى سابقة تحمل شيئا من الخوف، إلى حادث قبل سنتين إذ كنت أتجول وألهوا كأي طفل آخر حول المنزل، لم ابتعد كثيرا عنه حتى صادفت كلبا مهيبا تبدوا عليه الشراسة وكان من الأكيد أنه إن أمسكني فسأكون عبارة عن أشلاء صغيرة، فقد كان غزير اللعاب وبدا أنه كان يتضور جوعا وكبيرا في الحجم فضلا عن ذلك أنه كان ذو عضلات بارزة .

من شدة خوف لم أفكر سوى بالهرب فقد برزت براثنه بين التراب مستعدا للانقضاض علي. ركضت وركضت ولكني تعثرت بغتة بسبب غصن شجرة لعين لم ألاحظه أمامي. استغل ذلك الوحش الضاري الفرصة وقفز فوقي... لكن ما قطع سريان الذكريات بسيف حاد هو هجومه المباغت لي مباشرة ببراثنه الحادة باتجاه العين القرمزية النادرة محاولا اقتلاعها، فشلت محاولته في ذلك فأنا لم أسمح له فقد اجتنبته في آخر نفس وسقطت جاثيا على جذعي السفلي وكلتا يداي، حاولت استدراك الوضع والهرب حالا فبدأت الركض بسرعة لم أعهد جسدي قادرا على الركض بها من قبل ولم أعلم أنها تكمن داخلي، ركضت وركضت كثيرا ولم ألمح حتى طريقي منزلي الذي بدت افتقد الملل الذي كان يغمرني فيه!!

لم أتوقف عن الركض لأنجو بحياتي فقد أحسست بغريزة البقاء على قيد الحياة قد تفعلت داخلي فاستدرت لأرى إن كان فيلم المطاردة الهزيل هذا قد انتهى أم لا يزال قائما فلمحته من بعيدا يطير فوق الشجر لكن ما لم ألمحه هو ذلك الحجر اللعين الذي أسقطني أرضا ومسحني بها، لم أع كيف حدث ذلك لكن كل ما أتذكره قبل أن أغلق عينييّ هو طعم التراب المبلل بماء المطر.

لما أفقت وجدتني تدحرجت إلى داخل جذع شجرة مجوف بما يكفي لجسدي الصغير وكله بات يؤلمني إثر ذلك السقوط، رأسي كتفاي ذراعي الأيمن وخاصة قدمي اليسرى التي جرحت جرحا طويلا من ركبتي إلى منتصف الساق تقريبا، لم يخفني مدى عمق الجرح بقدر ما أخافني شيء واحد...

هو لون دمائي فلم أعهد أن للبشر دما أسودا، نعم قد بزغ من قدمي دم أسود غريب الرائحة قريب لرائحة اللوز المر، قد مرت عليا تلك الرائحة سابقا ولم أدري أين بالضبط.

لم اهتم للجرح وصببت كل الاهتمام على محاولة الهرب، بدأت عملية تمشيط المنطقة المجهولة من خلال ثقب خلفي فالجذع فلم ار أو ألاحظ شيء مريبا فالخارج وعكس توقعي وعلى حين غرة إذ بعين ذاك العقاب تبرز واسعة من خلال ذلك الثقب، عين قليلة البياض جاحظة السواد تذكرني بنفس أعين ذلك الكيان الذي رأيته فالكابوس القصير حين غفوت على شجرة الصنوبر.

تلاقت أعيننا ثانية حتى شعرت بأن الدم نشف من عروقي وفجأة اختفى وتلاشت معه أمالي بالنجاة إذ أنه منعني من الخروج فقد ظل يحوم حول مكاني اختبائي منتظرا مني أن أبرز أمامه ثانية، أما أنا فخالفت توقعاته وجلست أختبئ وأنوح من فرط الألم خاصة فساقي فما عسى لطفل فالسابعة أن يفعل في موقف كهذا غير البكاء والنواح؟؟

ارتبكت ولم أدرك ما العمل، بدأ سرب من الذكريات يجتال خاطري، ذكريات جميلة دافئة في حضني جدتي، ذاك الحضن الذي احتواني في كل مرة أبكي أو أحزن دون أن تعاتبني ولو لمرة واحدة، اشتقت لها وليديها الناعمتين حين كانت تربت بها على رأسي لأنام قرير العين، أو حين كانت تعالج بها جروحي وكدماتي.

فجأة تذكرت طريقة جدتي في مداواة الجروح أمثال جرحي الحالي، فمسحت دموعي التي اختلطت بماء انفي وقطعت اكمام قميصي فلم أكن أملك غيرها،

حاولت تذكر كيف كانت جدتي تلف القماش خطوة بخطوة، قلدتها بصعوبة واستطعت تضميد جرحي الذي أكاد أجزم أنه تعفن حرفيا، ولم تكد صورة عين العقاب تغادر مخيلتي لترعبني أكثر كل ما تذكرتها وكأنها تنبئني بشيء رهيب...

انتظرت مدة ليست بالوجيزة او الطويلة لألحظ أن العقاب يأس مني على ما أرجو وأنه غادر فيمكنني الآن متابعة المسير، وبعد معاناة فتلك التفرعات استعطت أخيرا أن ألمح دخان يخرج من مدخنة ما يتطاير فالسماء فأيقنت أنني اقتربت من سبيل الفرج ولم أتيقن من نسبة الأمان والمخاطرة فمزال هناك احتمال أن يعود ذلك العقاب ثانية لمطاردتي ولا أود ذلك حقا بحالتي هذه.

لممت نفسي وجمعت شتاتها وتابعت السير فقد تثاقلت خطواتي نتيجة لقناطير الألم التي أشعر بها فجسدي كله خاصة ساقي اليسرى.

ارتأيت على بعد أمتار طريق الخروج من الغابة وغمرني الفرح كطفل حصل على لعبة كان يدعوا لأجلها ليلا ونهارا

سهُل علي الأمر الأن، وطول الطريق كنت أفكر في كل ما حدث لي، أكان حقيقة أم مجرد خيال وهلوسات؟ أم أنه مجرد فرط تفكيرا نتج عن وحدتي وعزلتي؟

لم أستطع تحديد إجابة منطقية لكل هذه الأحداث، ولكن كنت أعلم يقينا أن الألم الذي أحس به حقيقي ولكن عقلي يأبى تصديق كل هذه الأحداث.

بعد مسيرة انهكتني كليا، أخيرا وصلت وقابلت باب منزلنا الصغير الحديدي، في تلك اللحظة لم يكن مجرد باب من حديد في نظري بل كان باب لجنتي التي خلفه وكم كنت أتوق لعبوره، دلفت للمنزل وكالعادة وجدت جدتي تجلس على كرسي خشبي عتيق هزاز لم أعرف بالتحديد كم عمره ولم أهتم في كل الأحوال كان يعجبني، كانت مقابلة للمدفأة تراقب ألسنة اللهب تتآكل بينما تربت على ظهر قطتها السوداء ذات العيون المصرية الخضراء في صمت تام، أدركت أني صرت أخاف الصمت بعد كل ما حدث ولم اعد أفضله على الكلام، وقفت قبالتها من بعيد، فتبادرت إلى ذهني تكملة الذكرى السابقة فبعدما انقض علي ذاك الكلب انطلقت من جوفي آهات خفيفة لفتى بريء على وشك الهلاك لكن صوتي جدتي وهي تنادي من بعيد أشعل عود الحياة في عيني لكن كيف عرفت أنني في خطر ؟ أكانت تراقبني؟ تبا ما الذي أفكر فيه حاليا؟؟.

حملت جدتي غصن شجر خشن وانقضت بدورها على الكلب فضربت به رأس الكلب ففر وهو يأن ألما.

حملتني في حضنها وعادت بي للمنزل لنفس المكان ونفس الكرسي ونفس الوضعية السابقة وبالطبع رافقني نفس الإحساس بالأمان وأظن أنني غفوت في حضنها بقية تلك الليلة. انتهى توالي الذكرى هذه المرة لما نظرت لي نظرة لينة وقد ارتسمت على محياها علامات الهدوء والوقار والسكينة، لم أتمالك نفسي فأسرعت رغم جرحي لاحتضانها لأستشعر دفئها وحنانها الذي يغمرني ويحسسني بالطمأنينة فأتوقف عن التفكير كليا، أما هي فقد استقبلتني بين ذراعيها ولم تبخل علي بكل ما أرغب به فمباشرة بدأت بالنواح والبكاء فكل هذا يفوق طاقتي، ظلت تربت عليا بحنان وتردد كلمات كانت تشعرني بالأمان في كل مرة تقولها حتى استطعت التوقف وتنظيم أنفاسي، كانت جدتي هي ملاذي الوحيد فلها أستطيع أن أبوح بأسراري فشرعت أقص عليها كل ما عشته اليوم دون أن أنسى ذكر تفصيل واحد منذ رؤيتي لذاك العقاب المشؤوم إلى حين سقوطي وجرحي ساقي.

طرحت كثيرا من التساؤلات التي لم يجد لها عقلي جوابا ظنا مني أن جدتي تعرف إجابة كل شيء، لكنها ظلت تهدئ من روعي ببسمة حنينة دون أن تحدد لي إجابة أي سؤال، طببت جرحي بعناية فائقة، ثم أعدت طرح سؤال يخص لون دمائي الغريب فأجابت أخيرا بإجابة غير كافية البتة أن سر اللون هو أني ورثته عن جدي.