ظل واقفًا في الساحة.
الخريطة بين يديه.
والجملة المكتوبة على قطعة الورق لا تزال تدور في رأسه:
«أول كذبة في التاريخ كانت حذف الحقيقة.»
رفع عينيه نحو سطح المبنى.
لم يعد هناك أحد.
الشخص المقنع اختفى.
والعجوز أيضًا لم يعد لها أثر.
أما الشيخ، فكان لا يزال واقفًا قرب البوابة، يحدق فيه بصمت.
لم تكن نظرته تشبه نظرة شخص فضولي.
كان ينتظر.
ينتظر أن يرى ماذا سيفعل.
اقترب أحد الحراس.
توقف أمامه وقال:
«الشيخ يريد أن يراك.»
لم يسأل لماذا.
كان يعرف أن السؤال لن يحصل على إجابة.
أعاد طي الخريطة ووضعها تحت ثيابه، ثم تبع الحارس.
سارا عبر شوارع المدينة.
كانت الأبواب مغلقة.
والنوافذ موصدة.
لكن العيون كانت موجودة.
كان يشعر بها خلف الستائر، تراقبه كلما مر.
لم يقل شيئًا.
كان يراقب هو أيضًا.
لاحظ أن بعض الشوارع خالية تمامًا رغم أن المدينة بدت مزدحمة قبل قليل.
لاحظ رموزًا صغيرة محفورة فوق أبواب معينة.
ولاحظ أن الحراس يتجنبون المرور تحت بعض الأبراج.
لم يعرف السبب.
لكنه حفظ أماكنها في ذهنه.
بعد عدة دقائق، توقف الحارس أمام مبنى حجري قديم في وسط المدينة.
فتح الباب.
دخل ريفين.
كان المكان مختلفًا عن بقية المدينة.
رفوف طويلة تمتد من الأرض إلى السقف.
كتب قديمة.
لفائف.
خرائط معلقة على الجدران.
بعضها كان ممزقًا.
وبعضها يحتوي على مناطق كاملة مطموسة بالحبر الأسود.
توقف الحارس عند المدخل.
«انتظر هنا.»
ثم غادر.
في نهاية القاعة وقف الشيخ قرب نافذة عالية.
كان ينظر إلى المدينة.
قال دون أن يلتفت:
«لم أتوقع أن تعود بهذه السرعة.»
تجمد ريفين.
«عودة؟»
استدار الشيخ ببطء.
نظر إليه طويلًا.
ثم قال:
«أخطأت.»
صمت لحظة.
«نسيت أنك لا تتذكر.»
تقدم ريفين خطوة.
«إذن أنت تعرفني.»
لم يجب الشيخ.
بدلًا من ذلك قال:
«ما أول شيء رأيته عندما خرجت من الضريح؟»
فكر ريفين.
تذكر البوابة.
المدينة.
الناس.
الخوف في وجوههم.
قال:
«مدينة.»
هز الشيخ رأسه.
«وقبلها؟»
صمت ريفين.
ثم قال:
«التماثيل.»
تغيرت ملامح الشيخ.
أغمض عينيه للحظة.
ثم همس:
«إذن ما زالوا يراقبون.»
شعر ريفين بقشعريرة تسري في جسده.
«من هم؟»
تنهد الشيخ.
«كل إجابة لها ثمن.»
«أنا لا أملك شيئًا أدفعه.»
نظر إليه الشيخ.
«أنت مخطئ.»
ساد الصمت.
ثم أشار الشيخ إلى الخريطة.
«من أين حصلت عليها؟»
تردد ريفين.
تذكر العجوز.
وتذكر كلماتها:
«لا تثق بمن يخبرك أنه يعرف التاريخ كله.»
نظر إلى الشيخ.
ولأول مرة منذ استيقاظه، اتخذ قرارًا دون أن يدفعه إليه الخوف أو الفضول.
سيخفي الحقيقة.
قال بهدوء:
«وجدتها.»
ظل الشيخ يحدق فيه.
لم تتغير ملامحه.
لكن شيئًا في عينيه أخبر ريفين أنه لم يصدقه.
ومع ذلك، ظهرت على وجهه ابتسامة صغيرة.
«إذن بدأت تتعلم.»
عقد ريفين حاجبيه.
«ماذا تقصد؟»
ابتعد الشيخ عن النافذة.
قال:
«في هذه المدينة، النجاة تبدأ عندما تعرف متى تقول الحقيقة…»
توقف.
ثم أكمل:
«…ومتى تخفيها.»
لم يعجبه الجواب.
لكنه لم يجادل.
كان على وشك طرح سؤال آخر حين—
دوّى انفجار بعيد.
اهتز المبنى.
تساقط الغبار من السقف.
اهتزت الكتب فوق الرفوف، وسقط أحدها على الأرض.
التفت ريفين نحو الباب.
سمع صرخات في الخارج.
ثم ركض أحد الحراس إلى القاعة.
كان يلهث.
«سيدي!»
استدار الشيخ بسرعة.
«ما الأمر؟»
حاول الحارس التقاط أنفاسه.
ثم قال بصوت مرتجف:
«الختم الشرقي…»
توقف.
«انكسر.»
اختفت الابتسامة من وجه الشيخ.
شحبت ملامحه.
ولأول مرة، رأى ريفين الخوف الحقيقي في عينيه.
همس الشيخ:
«مستحيل…»
ثم تراجع خطوة.
«لقد وجدوه.»
نظر الحارس إليه.
«من؟»
لكن الشيخ لم يجب.
كانت عيناه معلقتين بالباب.
وفجأة…
هبت ريح باردة داخل القاعة.
ارتجفت الأوراق.
تحركت صفحات الكتب بعنف.
تطاير الغبار في الهواء.
رفع ريفين رأسه.
كانت النوافذ مغلقة.
لم يكن هناك أي مكان يمكن أن تأتي منه الريح.
توقف كل شيء.
ساد الصمت.
ثم شعر بها.
نفس ذلك الإحساس.
الإحساس الذي راوده في القاعة.
وفي الممر.
وعند بوابة المدينة.
إحساس بأن أحدًا يراقبه.
لكن هذه المرة…
لم يكن الإحساس قادمًا من الخارج.
كان قريبًا.
قريبًا جدًا.
كان هناك شيء…
أو شخص…
داخل القاعة.
ومعهم.