الساعة ما تجاوزت الحادية عشرة ليلاً، وريم العتيبي لسه جالسة على مكتبها في جريدة "الرأي" تراجع تقرير استقصائي عن فساد إحدى الشركات، لين رن جوالها فجأة. رقم غريب. تردّدت ثانيتين قبل لا تردّ.
"هلا... مين المتكلم؟"
"ريم؟ ريم العتيبي؟" صوت رجل، متردد، يبان عليه القلق. "أنا ماجد، سكرتير أختج نورة في الشركة."
قلبها دقّ بقوة. "نورة؟ شفيها نورة؟ خير إن شاء الله؟"
سكت الرجل لحظة طويلة، طويلة كفاية إنها تحس الأرض تميل تحتها.
"نورة... من أمس ما جتنا الشركة. جوالها مقفل. وبيتها ما فيه حد يرد. حاولنا نتواصل معاها بكل الطرق."
قامت واقفة بسرعة، الورق طاح من على المكتب. "شلون يعني ما جتكم؟ نورة ما تتأخر عن شغلها ولا دقيقة! لازم يكون فيه شي غلط."
"صراحة... إحنا خايفين نبلّغ الشرطة على طول، لأن... فيه أمور حساسة في الشركة هالفترة. بس ودّي أخبرج قبل لا يصير أي شي."
قفلت الخط بدون ما تودّعه، ويدها ترجف وهي تحاول تتصل بأختها. الخط يرن ويرن... ولا رد.
نورة، الأخت الكبرى اللي دايم قوية، اللي دايم متزنة، اللي ربّتها بعد وفاة والدتهم، اختفت فجأة بلا أثر.
ريم ما فكرت مرتين. لبست عباتها، ركبت سيارتها، وطارت بسرعة نحو بيت نورة. الطريق كان طويل بشكل غريب هالليلة، كل إشارة حمرا تحس إنها دهر. عقلها يسبح بين آلاف الاحتمالات: حادث؟ خطف؟ ولا بس نسيت جوالها وسافرت فجأة؟
لكن نورة ما كانت من النوع اللي يسوي كذا. نورة كانت تخطط لكل شي، حتى تفاصيلها الصغيرة. اختفاؤها المفاجئ كان يعني شي وحد بس: فيه مشكلة كبيرة.
وصلت البيت، الأنوار مطفية بالكامل. طرقت الباب بقوة، ولا رد. استخدمت المفتاح الاحتياطي اللي عندها من زمان. دخلت، والصمت كان يخنقها.
كل شي في مكانه... إلا مكتب نورة. الأدراج مفتوحة، بعض الأوراق مبعثرة على الأرض، وكأن حد كان يدوّر عن شي بسرعة، أو إن نورة نفسها كانت تدوّر عن شي وهربت.
على المكتب، لاحظت ريم ورقة صغيرة مطوية تحت المصباح، كأنها مخبّاة عمداً. فتحتها بيد ترجف.
"إذا شفتي هالورقة يعني إني ما قدرت أرجع بنفسي. لا تثقين بحد في الشركة. حتى فيصل. خذي الملف الأزرق من الخزنة عند العم خالد، بس لا تخبرينه. ريم... كوني حذرة."
وقفت ريم مكانها، الورقة بين يديها، وقلبها يخفق بقوة يسمعها هي بس. اسم "فيصل" رنّ في راسها. فيصل المرزوقي، نائب رئيس مجلس إدارة شركة "اللؤلؤة الذهبية"، الشركة العائلية اللي بناها جدهم من الصفر. الرجل اللي كل الجريدة تتكلم عنه، ذكي وغامض وما أحد يعرف عنه الكثير.
طوت الورقة ودستها في جيبها، وقررت من هالثانية: ما راح تنتظر الشرطة، وما راح تثق بحد بسهولة. هي بنفسها بترجع أختها، حتى لو كان الطريق مظلم وخطير.
خرجت من البيت وهي تحس بعيون تراقبها من بعيد، من سيارة سوداء متوقفة في طرف الشارع. حاولت ما تعطيها بالها، ركبت سيارتها وانطلقت.
بس السيارة السوداء تحركت وراها.
---