القاهرة الساعة سبعة الصبح، والزحمة بتبتدي تاخد شكلها المعتاد. فرح كانت واقفة في محطة مترو السادات، شنطتها معلقة على كتفها وسماعاتها في ودانها، مستنية القطر اللي هيوصلها لشغلها في مكتب المحاماة اللي بتتدرب فيه من ستة شهور.
كانت الدنيا زحمة أوي، والناس بتتدافع زي كل يوم. لما فتح باب العربية، فرح دخلت جري علشان تلحق مكان، وفي نص الزحمة دي كله، حد داسها على رجلها وهي طايرة تمسك بالعمود، فطاحت شنطتها على الأرض وطلعت كل حاجة منها.
- "يا نهار أسود! معلش يا أستاذة، مقصدش."
الصوت ده كان بتاع شاب واقف قدامها، بيحاول يلم أوراقها اللي اتبعترت على الأرض. لما رفعت وشها اتقابلت عيونها بعيونه لحظة، وحسيت بحاجة غريبة، مش عارفة تفسرها.
- "معلش، مش قصدك، بس ممكن تاخد بالك شوية." قالتها بحدة وهي بتاخد أوراقها منه.
- "أنا آسف فعلاً، بس والله الزحمة دي مش في إيدي." رد عليها بابتسامة نص خجولة نص جدعنة. "يوسف، تحت أمرك لو محتاجة أي حاجة."
فرح ما ردتش، بس حسيت إن في حاجة في الابتسامة دي خلتها تنسى غضبها لحظة. القطر وقف، وهي نزلت من غير ما تقول حاجة تانية، لكن قلبها كان بيدق بسرعة غريبة.
يوسف من ناحيته وقف يبصلها وهي ماشية، وحس إن في حاجة في الست دي خلته يفكر فيها طول اليوم. كان ميكانيكي شاطر بيشتغل في ورشة صغيرة في المعادي، بس حلمه الحقيقي كان إنه يفتح ورشة كبيرة باسمه يوم من الأيام. حياته بسيطة، مفيهاش رفاهية، بس فيها كرامة وشغل بجد.
في المكتب، فرح ما قدرتش تركز في شغلها. كل شوية بترجع لها صورة الشاب ده اللي اتقابل معاها في المترو. حاولت تقنع نفسها إنها حاجة عادية، ناس بتتقابل وبتفترق كل يوم في القاهرة، بس حاسة إن في حاجة مختلفة.
بعد الشغل، فرح مشيت على قهوة صغيرة قريبة من البيت، عادة بتقعد فيها كل يوم تقرا كتاب وتشرب قهوتها. قعدت في مكانها المعتاد جنب الشباك، وفتحت الكتاب، بس مش عارفة تركز.
فجأة سمعت صوت يقول:
- "يا نهار أبيض! تاني؟ الدنيا صغيرة أوي."
رفعت وشها، ولقيت يوسف واقف قدامها يبتسم. حست بدمها طلع لوشها من الدهشة.
- "إنت بتتابعني؟" سألته بجدية، بس جوه قلبها كانت مبسوطة شوية من الصدفة دي.
- "لأ والله، أنا ساكن هنا قريب، وبجي القهوة دي كل يوم تقريباً. إنتي اللي جيتي النهاردة، مش أنا."
ضحكت فرح من غير ما تقصد، وده خلى يوسف يبتسم أكتر.
- "طيب اقعد، بس مش هعزمك على قهوة، أنا لسه زعلانة من صبح بتاعك الفاضي."
- "ماشي، أنا هعزمك أنا، أقل حاجة أعملها بعد ما خبطتك الصبح."
قعد يوسف قدامها، وابتدى كلام بسيط عن الشغل والحياة والقاهرة اللي مبتعرفش ترحم حد. فرح حست إنها بتتكلم مع حد سهل، مش زي الناس اللي اتعرفت عليهم قبل كده، اللي كل كلامهم مصلحة أو مظاهر.
بعد شوية، يوسف بص في ساعته وقال:
- "أنا لازم أمشي، عندي شغل في الورشة. بس ممكن... أشوفك تاني هنا؟"
فرح فكرت لحظة، وبين عقلها اللي بيقولها احذري وقلبها اللي بيقولها كمل، قررت تدي فرصة صغيرة لنفسها.
- "يمكن." قالتها بابتسامة، وشافها يوسف وهو ماشي، وحس إن كلمة "يمكن" دي هتفضل تدور في دماغه طول الليل.
لكن اللي محدش من الاتنين كان يعرفه، إن في ليلة تانية، في بيت تاني في مصر الجديدة، كان في حد بيخطط لمستقبل فرح من غير ما يسألها رأيها خالص...
---