في ضواحي القاهرة، حيث الشمس تودع آخر أشعتها الذهبية خلف الأفق، تقف ليان أمام بيتها القديم، تنظر إليه بعينين متسائلتين، تحمل حقيبتها بيد مرتجفة، وكأنها تستجمع قواها لخوض معركة. البيت ذو الطابقين، بطلاءه الأبيض الذي أكل الدهر عليه وشرب، وشجرته الكبيرة في الحديقة، يبدو كشاهد على ماضيها الذي تحاول جاهدة أن تنساه.
"ليه رجعت؟" تسأل نفسها بصوت خافت، وكأنها تخشى أن يسمعها أحد. ليان، صاحبة الشعر الأسود الطويل والوجه الحزين، عادت بعد غياب سنوات طويلة، عادت إلى المكان الذي شهد طفولتها وشبابها، إلى حيث بدأت قصتها. تنهيدة عميقة تخرج من صدرها، ثم تتقدم بخطوات مترددة نحو الباب، وكأنها تخطو نحو مصير مجهول.
**في الداخل:**
الغبار يغطي الأثاث، والستائر البالية تتمايل مع النسيم الخفيف. ليان تتجول في المنزل، تلمس الأشياء وكأنها تحاول استعادة ذكرياتها. وقفت أمام صورة قديمة على الحائط، تجمعها بوالديها اللذين رحلا منذ زمن. دموعها تتساقط بصمت، فهي لم تتخيل يومًا أنها ستعود وحيدة دونهم.
"معقول ده بيتي؟ بعد كل الغياب ده؟" تمتمت ليان، وهي تنظر حولها بذهول. ثم جلست على الأريكة القديمة، تتأمل المكان، وتتذكر كل لحظة عاشتها هنا. ضحكاتها مع إخوتها، مشاجراتهم الطفولية، وعيد ميلادها الأخير هنا قبل الرحيل. كل شيء يبدو كما تركته، وكأن الزمن تجمد في تلك اللحظة.
**في صباح اليوم التالي:**
أشعة الشمس الدافئة تتسلل من النافذة، توقظ ليان من نومها. تفتح عينيها ببطء، ثم تنظر حولها لتتذكر أين هي. نهضت من سريرها، وتوجهت نحو النافذة، تنظر إلى الشارع الهادئ، والأطفال الذاهبين إلى المدرسة. شعور غريب ينتابها، مزيج من الحنين والألم.
"صباح الخير يا مدينة الذكريات. النهاردة هتبدأ حياة جديدة." قالتها ليان بتصميم، ثم بدأت تستعد للخروج، فهي تريد استكشاف مدينتها بعد غياب طويل.
بينما هي تسير في الشارع، لاحظت مقهى صغيرا لم تره من قبل. قررت الدخول لتجربته، فربما تجد فيه بعض الراحة. جلست على طاولة قرب النافذة، وطلبت قهوتها المفضلة. وبينما هي تنتظر، التقطت كتابًا من على الطاولة المجاورة، كان كتابًا عن الحب والعلاقات. ابتسامة ساخرة ارتسمت على وجهها، فهي آخر من يحتاج نصائح في الحب.
وفجأة، سمعت صوتًا عميقا يقول: "كتاب رائع، أليس كذلك؟" التفتت ليان لترى صاحب هذا الصوت، وكان رجلًا وسيمًا في أواخر العشرينيات، بابتسامة هادئة وعينين تحملان قصصًا لا تنتهي. إنه آدم، الطبيب النفسي الذي يعمل في عيادته القريبة.
"أصلًا أنا مش مقتنعة بكلام الكتب دي. الحب مش كلام بيتقال، ده إحساس بيتحس." قالتها ليان بثقة، ثم أخذت رشفة من قهوتها.
آدم أبدى إعجابه برأيها، ثم بدأ حديثًا شيقًا عن الحب والمشاعر. كان حديثًا مختلفًا، بعيدًا عن الكليشيهات المعتادة. ليان وجدت نفسها منجذبة لكلامه، وكأن شيئًا ما بداخلها تحرك بعد سبات عميق.
"بس أنا شايف إن الحب مش دايما جميل. أحيانا بيكون مصدر للألم والضعف." قال آدم بحكمة، ونظرة عميقة في عينيه.
ليان شعرت بفضول لمعرفة قصته، لكنها ترددت في السؤال. فهي تعلم أن لكل شخص أسراره، وأحيانا من الأفضل تركها مغلقة.
استمر حديثهما لساعات، وكأنهما يعرفان بعضهما منذ زمن. تبادلا الضحكات، والقصص، وأجزاء من حياتهما. كان لقاءًا عابرًا، لكنه ترك أثرًا في قلب كل منهما.
**بعد أيام:**
ليان تجلس في عيادتها الجديدة، حيث بدأت عملها كطبيبة أسنان. فهي قررت أن تبدأ حياتها من جديد، وأن تنسى الماضي. وبينما هي منهمكة في عملها، دخل مريض جديد، بخطوات بطيئة ونظرة قلق في عينيه.
"دكتورة ليان؟ أنا عندي مشكلة في سني، ممكن تساعديني؟" قال المريض، وكان صوته مألوفا لديها.
رفعت ليان نظرها ببطء، ثم صدمت عندما رأت آدم أمامها. بدا عليه التوتر، وكأنه لا يدري كيف يتصرف. ليان حاولت أن تخفي ارتباكها، ودعته للجلوس على الكرسي.
"آدم! إيه المفاجأة دي؟ مش متوقعاك هنا خالص." قالتها ليان بدهشة.
"أصلًا أنا كنت عايز آجي من زمان، بس مكنتش عارف إنك إنتي دكتورة ليان." ابتسم آدم بارتباك.
ثم بدأ آدم في شرح مشكلته السنية، بينما ليان تستمع باهتمام، وتحاول ألا تغرق في عينيه الساحرتين. كان لقاؤهما أشبه بلقاء الأرواح، حيث وجدا نفسيهما يتقاربان دون تخطيط.
**في المساء:**
ليان تسير على كورنيش النيل، تستمتع بنسيم الليل العليل، وتفكر في لقائها بآدم. لم تتوقع أن يترك هذا اللقاء أثرًا كبيرا في قلبها. وبينما هي غارقة في أفكارها، سمعت صوتًا مألوفًا يناديها.
"ليان! مش ممكن! إنتي هنا؟" كان آدم، وقد بدا عليه السعادة لرؤيتها.
ليان ابتسمت، وكأنها وجدت ضالتها. تحدثا مطولا، وضحكا سويًا، وكأنهما صديقان قديمان. ثم دعاها آدم لتناول العشاء في مطعم قريب.
خلال العشاء، تبادلا قصصًا عن طفولتهما، وأحلامهما، ومخاوفهما. ليان شعرت بارتياح غريب معه، وكأنها وجدت شخصًا يفهمها دون أن تتكلم.
"ليان، أنا عارف إنك راجعة من سفر طويل، وعندك أسبابك. بس أنا عايز أقولك إن أنا..." توقف آدم، وكأنه يصارع نفسه.
ليان نظرت إليه بترقب، ثم قالت: "أكمل، أنا سامعة."
آدم تردد للحظة، ثم قال: "أنا عايز أقولك إني..." وفجأة، قاطعهما النادل، ليخبرهما أن المطعم على وشك الإغلاق.
ليان وآدم خرجا من المطعم، وكل منهما يحمل بداخله كلمات لم تُقل. ليان شعرت بالغضب من المقاطعة، بينما آدم بدا عليه التوتر.
"أنا آسف على المقاطعة، بس فعلا المطعم هيقفل." اعتذر النادل.
ليان ردت بغضب: "ماشي، هنكمل كلامنا في وقت تاني." ثم انصرفت مسرعة، تاركة آدم في حيرة من أمره.
آدم وقف لحظة، ثم قرر أن يتبعها. أسرع بخطواته، حتى وصل إليها.
"ليان، استني! أنا عايز أكمل كلامي." قال آدم، وهو يلهث.
ليان توقفت، ثم التفتت إليه، وقالت بعتاب: "كنت عايز تقول إيه؟ أنا مستنية."
آدم نظر في عينيها، ثم قال: "أنا..." وفي تلك اللحظة، قاطعهما صوت صاخب، وصياح من خلفهما.
**فماذا سيحدث الآن؟ هل سيتمكن آدم من إكمال جملته؟ وماذا تخفي ليان من أسرار؟**