فتحت عينيها ببطء شديد.
كانت الغرفة مظلمة وباردة، ورائحة الدخان تملأ المكان، رائحته خانقة. أمسكت رأسها بألم، تحديدًا خلف رأسها، وحاولت أن تتذكر كيف وصلت إلى هنا.
كانت في عملها منذ ساعات...
ماذا حدث؟
فركت بين حاجبيها، محاولةً استعادة ما حدث، وفجأة فتحت عينيها بصدمة ممزوجة بالخوف، وكأنها تذكرت شيئًا.
كانت فتاة في مقتبل العمر، تعمل كطبيبة، وكانت في مناوبتها الليلة.
فماذا سيجرّها إلى هذه الغرفة؟
قبل 6 ساعات
كانت أنستاسيا موروزوفا تقف في أحد أروقة المشفى، عندما سمعت من ينادي باسمها.
— أنستاسيا موروزوفا... أنستاسيا موروزوفا.
التفتت أنستاسيا نحو مصدر الصوت.
— أنا هنا، أيتها الطبيبة. هل هناك مشكلة؟
اقتربت منها زميلتها، وكانت تبدو مرهقة.
— لا، عزيزتي. أنتِ ترين... أنا امرأة حامل في شهري السابع، ولدي طفل آخر في المنزل. هل يمكنكِ أخذ المناوبة بدالي فقط هذه الليلة؟ أنا أشعر بتعب شديد.
ابتسمت أنستاسيا.
— أكيد، يمكنني ذلك. يمكنكِ الذهاب إلى منزلك، لا تقلقي.
— حسنًا، لكن مناوبتك ستكون في سيارة إسعاف، وليس هنا في المشفى.
— أيضًا لا مشكلة.
— حقًا؟ شكرًا لكِ.
بعد أن غادرت زميلتها، اتجهت أنستاسيا إلى الخارج، حيث كانت سيارة الإسعاف تنتظرها.
وقفت أمامها للحظات، استنشقت الهواء، ثم زفرته ببطء.
— هيا يا أنستاسيا... أمامك ليلة طويلة.
دخلت أنستاسيا السيارة، وبعد دقائق بدأت السيارة بالتحرك.
كانت أضواء شوارع مدينة موسكو الروسية تنعكس على وجهها خلف الزجاج. وضعت رأسها على الزجاج من شدة التعب والنعاس، وظلت تراقب الأضواء المارة أمام عينيها.
لم تكن تعلم أن هذه الليلة ستأخذها إلى مكان لم تتخيل يومًا أن تصل إليه.
في الجهة الأخرى من موسكو، وتحديدًا في شارع خوفرينو...
كان هناك رجل ممدد على طرف الطريق، يئن من شدة الألم.
كان قميصه الأبيض يتزين باللون الأحمر، ووجهه ملطخًا بالدماء، وكأنه خرج من اشتباك كان هو المنهزم فيه.
أمسك كتفه بألم. كانت هناك رصاصة قد اخترقت كتفه الأيمن، لكنه استجمع قوته وحاول أن يقف على رجليه مجددًا.
تحرك قليلًا...
ثم سقط مجددًا.
كانت طاقته قد نفدت.
كان سيستسلم، لكن في تلك اللحظة ظهر ضوء قوي أمامه، وضرب وجهه.
كانت سيارة الإسعاف.
في الداخل، لمح السائق الرجل الممدد على جانب الطريق، فقال لأنستاسيا:
— آنسة أنستاسيا، هناك رجل ممدد هناك.
فتحت أنستاسيا عينيها بسرعة، ونظرت من النافذة.
— أجل... فعلًا.
نزلت بسرعة واقتربت منه.
كان الرجل بين الوعي وفقدان الوعي.
— سيدي، هل أنت بخير؟
لم يجبها، فقط خرج أنين من ثغره.
أدارت أنستاسيا رأسها نحو السائق.
— ساعدني في نقله إلى السيارة.
وبعد دقائق، كان الرجل داخل سيارة الإسعاف.
بدأت أنستاسيا بتطهير جميع جروح جسمه ووجهه، لكنها لم تستطع إخراج الرصاصة بسبب عدم توفر المعدات اللازمة لإزالتها.
لذلك قررت ربط كتفه بقماش إلى حين وصولهم إلى المستشفى.
قالت وهي تحاول طمأنته:
— لا تقلق يا سيدي، ستكون بخير، وستشفى.
لكن الرجل لم يجبها.
ظل صامتًا.
وبعد لحظات...
توقفت سيارة الإسعاف فجأة.
وقبل أن تتمكن أنستاسيا من فهم ما يحدث، دوّى صوت رصاص في الخارج.
أخفضت أنستاسيا رأسها بسرعة من الخوف.
لكن الغريب أن الرجل لم يفعل ذلك.
بل وقف من مكانه.
نظرت إليه أنستاسيا بصدمة.
تحدث الرجل ببرود وجدية:
— لا حاجة لدراما لن يحدث شيئ
لم تستطع أنستاسيا الرد.
وفجأة انفتح باب سيارة الإسعاف.
كان هناك رجال مسلحون في الخارج.
تسلل الرعب إلى قلب أنستاسيا، خصوصًا عندما سلّموا سلاحًا للرجل الغريب الواقف أمامها.
قال:
— إلى القصر، حضّرو سيدي.
استدار الرجل نحوها.
كانت نظرته فارغة، باردة جدًا، جدًا... كبرودة موسكو نفسها.
ثم تحدث بابتسامة شيطانية ساخرة:
— بعد قليل ستندمين لأنكِ ساعدتِ شخصًا مثلي، أعدكِ.
— ماذا؟ ماذا تقصد؟
عادت تلك النظرة الفارغة إلى عينيه، ولم يجبها.
لم يكن أمام أنستاسيا سوى البقاء في سيارة الإسعاف.
وبعد لحظات، تحركت السيارة من جديد، لكن هذه المرة لم تكن في طريقها إلى المستشفى.
طوال الطريق، كانت أنستاسيا مكورة على نفسها في زاوية سيارة الإسعاف، بينما كان الرجل يجلس رجلًا على رجل، ويحمل مسدسه في يده بطريقة احترافية.
وأخيرًا...
توقفت السيارة.
نهض الرجل لينزل، لكنه توقف فجأة.
لم يلتفت إليها.
— آمل ألا تريديني أن أعزمكِ للنزول، أيتها الطبيبة.
قالت أنستاسيا بخوف:
— أرجوك، أنا لم أفعل شيئًا. اتركني أذهب.
أجابها ببرود:
— لن أكرر كلامي.
ثم أكمل طريقه.
بقيت أنستاسيا للحظات داخل السيارة، غير قادرة على اتخاذ قرار.
لكن بعد لحظات، استجمعت ما تبقى من شجاعتها ونزلت ببطء.
وما إن رفعت عينيها حتى تجمدت في مكانها.
كانت تقف أمام قصر كبير أبيض، تحيط به أضواء صفراء اللون، وتحيط به حديقة كبيرة وحراس مسلحون في كل مكان.
اقترب منها أحد الحراس.
— أنتِ، ادخلي.
ترددت أنستاسيا.
— لكن...
نظر إليها الحارس بحدة.
— أتريدين أن أموت الآن بسبب تأخرك؟
تحركت أنستاسيا بجسد مرتجف.
دخلت من باب القصر ببطء.
وما إن تجاوزت الباب حتى رأته.
كان جالسًا على كرسي، وعلى يمينه كان هناك طبيب يعالج كتفه.
كان الطبيب قد أخرج الرصاصة، وكانت يداه ترتجفان.
وبعد انتهائه، وقف أمام الرجل.
— حسنًا، غادر.
غادر الطبيب المكان بسرعة.
ثم رفع الرجل عينيه نحو أنستاسيا.
— اقتربي.
كان يقصد أنستاسيا.
اقتربت منه ببطء.
نظر إليها للحظات، ثم قال:
— هل أنتِ الطبيبة؟
هزت رأسها بخوف.
— نعم...
حك لحيته بمسدسه، ثم صرخ:
— قلت اقتربي بسرعة!
قفزت أنستاسيا من مكانها من الخوف، واقتربت منه.
حدق بها للحظات قبل أن يسأل:
— هل تعرفين من أنا؟
هزت رأسها بسرعة.
— لا...
ثم أضافت بخوف:
— أقسم... لا أعرف.
— أممم... حسنًا.
صمت للحظات، ثم قال:
— أنا وريث عائلة فارينوفا...
توقفت أنستاسيا عن التنفس للحظة.
ثم أكمل:
— إيفان فارينوفا.
شيطان المافيا الروسية.
💬 التعليقات