لعبة الموت

الفصل 1

الجزء الأول: الطفولة

1,841 كلمة · 9 دقيقة للقراءة

إعلان

الفصل الأول: الولادة

في مدينةٍ لا تنام، حيث تلتقي الأضواء بالظلال على أرصفةٍ مبللة بمطرٍ خفيف، وُلد الطفل في ليلةٍ شديدة البرودة من شهر ديسمبر. كان المستشفى الجامعي القديم يقف على تلةٍ مرتفعة تطل على النهر، ونوافذه الزجاجية العتيقة ترتجف مع كل هبة ريح. في الغرفة رقم 307، كانت امرأةٌ في الثلاثينيات من عمرها تئن من ألم المخاض، وبجانبها رجلٌ يمسك يدها بقوة، عيناه مليئتان بقلقٍ لا يفهمه أحد سواه. كانت الساعة تشير إلى الثالثة والدقيقة السابعة والأربعين فجرًا عندما صرخ الطفل أول صرخة. صرخةٌ لم تكن كأي صرخة سمعها الأطباء من قبل. كانت طويلة، حادة، وكأنها تحمل نبوءةً ما. توقف الممرضون للحظة، نظر أحدهم إلى الآخر، ثم أكملوا عملهم. الرجل الذي كان يقف بجانب السرير - والده - اقترب من الطفل الملفوف في قماشٍ أبيض. نظر إليه بعينين دامعتين، ثم همس بكلماتٍ لم يسمعها أحد: "سامحني." كلمة واحدة. لكنها حملت ثقل جبال. حملت سرًا سيدفن لعشرين سنة قادمة.

الفصل الثاني: البيت القديم

نشأ آدم في بيتٍ قديم في حيٍّ شعبي على أطراف المدينة. بيت من طابقين، جدرانه متشققة، وسطحه يرشح ماءً في كل شتاء. لكنه كان بيتًا دافئًا. كانت أمه سلمى - امرأة نحيلة، شعرها أسود طويل، وعيناها بنيتان كعسلٍ داكن - تملأ البيت بحضورها. كانت تطبخ، تغني بصوتٍ خافت وهي تعجن الخبز، وتحدث آدم وكأنه يفهم كل كلمة. "أنت ستكون رجلاً عظيمًا يا آدم," كانت تقول له وهي تحمله بين ذراعيها. "أعظم مما تتخيل." أما والده خالد، فكان رجلاً غامضًا. يعمل في "شركة استيراد وتصدير" - هكذا كان يقول دائمًا. يخرج صباحًا باكرًا ويعود متأخرًا ليلاً. أحيانًا يغيب لأسبوع، وأحيانًا لشهر. وحين يعود، يجلب معه هدايا غريبة: كتابًا قديمًا مكتوبًا بلغة لا يفهمها آدم، ساعة جيبٍ نحاسية، خاتمًا فيه نقش غريب. لكنه كان دائمًا يعود متعبًا. عيناه تحملان شيئًا لا يقوله. في طفولته المبكرة، كان آدم طفلاً هادئًا. يتكلم قليلاً، يلاحظ كثيرًا. كان يجلس في زاوية الغرفة ويراقب أباه. يراقب كيف يتحرك، كيف يتكلم، كيف ينظر إلى الهاتف كلما رنّ. كان يلاحظ أن أباه يخفي شيئًا. لكنه لم يفهم ما هو.

الفصل الثالث: الكوابيس الأولى

في سن الخامسة، بدأت الكوابيس. كان آدم يستيقظ في منتصف الليل وهو يصرخ. يرى في منامه أشياءً لا يفهمها: غرفة كبيرة مظلمة، رجال يرتدون أقنعة بيضاء، طفل يبكي في الزاوية، دم على الأرض، ويدٌ تمتد نحوه. كان يستيقظ والعرق يغطي جبينه، وقلبه يدق كأنه سيخرج من صدره. كانت أمه تأتي مسرعة، تحمله، تربت على ظهره، تهمس له: "لا شيء يا حبيبي. مجرد حلم." لكن الكوابيس لم تكن مجرد أحلام. كانت ذاكرة. ذاكرة مدفونة في أعماق عقله، تحاول أن تصعد إلى السطح. لكن شيئًا ما كان يمنعها. كأن هناك بابًا في عقله مغلقًا بإحكام، ومفتاحه مفقود. في إحدى الليالي، بعد أن هدّأت أمه روعه، سمع آدم أباه يتحدث معها في الغرفة المجاورة بصوت خافت:

"لازم نوديه. ما عنده وقت."

"لا! هو لسا صغير. ما يفهم."

"سلمى، أنتِ تعرفين القوانين. إذا ما دخل... سيموت."

"وهل تعتقد أن اللعبة ستحميه؟ اللعبة ستقتله!"

سكت الأب. ثم قال بصوتٍ مكسور:

"أنا أحاول... أنا أحاول أن أجد طريقة."

لم يفهم آدم ما معنى "اللعبة". لكن الكلمة علقت في عقله. "اللعبة". كلمة سمعها لأول مرة، لكنها بدت مألوفة. كأنها كانت هناك دائمًا.

الفصل الرابع: المدرسة - الجحيم الصغير

في سن السادسة، دخل آدم المدرسة. كان أول يوم في المدرسة أشبه بإعلان حرب. الأطفال الآخرون نظروا إليه كأنه غريب. لماذا؟ ربما لأن ملابسه كانت قديمة. ربما لأن شعره لم يكن مصففًا كباقي الأطفال. ربما لأن عينيه كانتا مختلفتين - عميقتين بشكلٍ مخيف، كأنهما ترى أكثر من اللازم. في الأسبوع الأول، بدأ السخرية.

"آدم الغريب". "آدم المجنون". "آدم اللي يشوف أشياء".

كان الأطفال يضحكون عليه عندما يجلس وحده في الاستراحة. كانوا يرمون عليه قطع الورق، ويسرقون دفتره، ويخبئون حقيبته. في الأسبوع الثاني، بدأ الضرب. كان هناك فتى يدعى ماجد، أكبر وأقوى من آدم، يقود مجموعة من الأطفال. كان ماجد ينتظر آدم بعد المدرسة، عند البوابة الخلفية، حيث لا يراه المعلمون. كان يدفعه على الأرض، يضربه، يبصق عليه.

"أنت ما لك مكان هنا," كان ماجد يقول له. "أنت ابن رجل ملعون. أبوك مجرم. الجميع يعرف." لم يفهم آدم ما معنى "مجرم".

إعلان

كان أبوه يعمل في شركة. أليس كذلك؟ في إحدى المرات، ضربه ماجد حتى نزف أنفه. عاد آدم إلى البيت ووجهه متورم. رأته أمه فصرخت، احتضنته، بكت.

"من فعل هذا؟"

سألت. "لا أحد," قال آدم. "وقعت." لكن أمه عرفت. نظرت إلى عينيه، ورأت ما لم يقله. ذلك اليوم، ذهبت إلى المدرسة، تشاجرت مع المدير، مع المعلمين، مع أم ماجد. لكن لا شيء تغير. كان آدم لا يزال وحيدًا. تعلم آدم شيئًا مهمًا في تلك الأيام: العالم ليس عادلاً. والعالم لن يحميك. يجب أن تحمي نفسك بنفسك.

الفصل الخامس: الصمت والمراقبة

في سن الثامنة، توقف آدم عن الكلام تقريبًا. لم يكن خجلاً. كان انسحابًا. كان قد أدرك أن الكلام لا ينفع. أن الشكوى تجلب المزيد من الألم. أن البكاء يجعل الآخرين يضحكون أكثر. فصار يراقب. صار يجلس في آخر الصف، عيناه تتابع كل حركة. يراقب المعلمين، كيف يتحدثون، كيف ينظرون. يراقب الأطفال، كيف يتصرفون عندما يكونون سعداء، وكيف يتصرفون عندما يكونون خائفين. تعلم آدم أن يقرأ الناس. أن يرى ما لا يقولونه. في إحدى الحصص، لاحظ أن معلم الرياضيات - رجل يدعى الأستاذ سمير - كان يحدق فيه بطريقة غريبة. لم يكن نظرة عادية. كانت نظرة معرفة. كأنه يعرف آدم من قبل. كأنه يعرف شيئًا عنه. بعد الحصة، اقترب آدم من مكتب الأستاذ سمير. رأى على مكتبه ورقة فيها رسم غريب: دائرة داخل مثلث، وفي وسطها عين. "ما هذا؟" سأل آدم. نظر الأستاذ سمير إليه بحدة، ثم أغلق الورقة بسرعة. "لا شيء. اذهب إلى صفك." لكن آدم رأى الخوف في عينيه. خاف. لماذا؟ في تلك الليلة، رأى آدم في منامه نفس الرمز. الدائرة، المثلث، العين. ورأى رجالاً يرتدون أقنعة بيضاء يقفون حول طاولة. على الطاولة، كان هناك طفل. الطفل كان يصرخ. وأحد الرجال كان يمسك بيد الطفل... ويد الطفل كانت تحمل نفس الخاتم الذي يلبسه أبوه. استيقظ آدم وهو يلهث. نظر إلى يده. لم يكن هناك خاتم. لكنه شعر بألم في أصابعه. كأن شيئًا ما كان هناك. كأن ذكرى ما تحاول أن تعود.

الفصل السادس: الهدية الغريبة

في عيد ميلاده العاشر، أعطاه أبوه هدية. كانت علبة خشبية صغيرة، مغلقة بقفل نحاسي صغير. نظر آدم إلى أبيه باستغراب. "ما هذا؟" "افتحها عندما تكبر," قال أبوه. "عندما تصبح جاهزًا." "جاهزًا لماذا؟" لم يجب أبوه. فقط نظر إليه بعينين حزينتين، ثم خرج من الغرفة. حاول آدم فتح العلبة. لكنها كانت مقفلة بإحكام. لم يكن هناك مفتاح. وضعها تحت سريره، ونسيها. لكن في الليل، كان يسمع صوتًا يأتي من العلبة. صوت خافت، كأن شيئًا داخلها يريد أن يخرج. كان يضع يده على العلبة، ويشعر بحرارة غريبة. ثم يعود إلى النوم، والكوابيس تعود. في إحدى الليالي، استيقظ على صوت أمه وهي تصرخ. خرج من غرفته مسرعًا. رأى أباه واقفًا في الصالة، وأمه تبكي. "ماذا حدث؟" سأل آدم. نظر أبوه إليه. كان وجهه شاحبًا. في يده، كان هناك ورقة. ورقة فيها نفس الرمز: الدائرة، المثلث، العين. "لا شيء," قال أبوه. "اذهب إلى غرفتك." لكن آدم رأى الدم على يد أبيه. دم لم يكن له.

الفصل السابع: المأساة

في سن الثانية عشرة، حدثت المأساة. كان آدم عائدًا من المدرسة. كان اليوم مختلفًا. كان المطر ينزل بغزارة، والبرق يضيء السماء. كان آدم يجري نحو البيت، حقيبته فوق رأسه. عندما وصل إلى الشارع الذي يقع فيه بيته، توقف. كان هناك رجال. رجال يرتدون ملابس سوداء، يقفون أمام البيت. كان هناك سيارة سوداء كبيرة. كان هناك صراخ. صراخ أمه. جرى آدم نحو البيت. لكن أحد الرجال أوقفه. رجل ضخم، وجهه مغطى بقناع أسود. دفعه على الأرض. "لا تتحرك." سمع آدم صوت أبيه من داخل البيت. كان يتحدث بلغة غريبة. لغة لم يسمعها من قبل. ثم سمع صوت أمه وهي تصرخ: "خالد! لا!" ثم سمع طلقًا ناريًا. ثم صمت. ثم خرج الرجال من البيت. أحدهم كان يحمل شيئًا. شيئًا ملفوفًا في قماش. لم يعرف آدم ما هو. لكنه سمع صوت بكاء طفل. طفل صغير. الرجال ركبوا السيارة وانطلقوا. بقي آدم على الأرض، مبللاً بالمطر، يرتجف. بعد دقائق - أو ساعات، لم يعرف - خرج أبوه من البيت. كان وجهه مليئًا بالدم. كان يمشي بصعوبة. رأى آدم على الأرض. اقترب منه، حمله، احتضنه. "أنت بخير," قال أبوه. "أنت بخير." "أمي؟" سأل آدم. لم يجب أبوه. فقط احتضنه بقوة أكبر. وبكى. في تلك الليلة، عرف آدم أن أمه ماتت. قتلوها. لكن لم يعرف من. ولم يعرف لماذا. ولم يعرف ما الذي حدث بالضبط. كان كل شيء ضبابيًا. كأن عقله رفض أن يتذكر. بعد أسبوع، انتقل آدم مع أبيه إلى مدينة أخرى. بيت جديد، مدرسة جديدة، حياة جديدة. لكن الكوابيس لم تتوقف. بل زادت.

الفصل الثامن: السنوات الصامتة

من سن الثانية عشرة إلى الثامنة عشرة، عاش آدم حياةً أشبه بالمنفى. كان البيت الجديد أصغر، أبرد، أكثر عزلة. كان في حيٍّ بعيد، حيث لا يعرف أحد جيرانه. كان أبوه يغيب أكثر من قبل. أحيانًا لأشهر. كان يترك لآدم مالاً، ورسالة قصيرة: "اعتنِ بنفسك. سأعود." في المدرسة الجديدة، كان آدم لا يزال غريبًا. لكنه لم يعد يسمح لأحد أن يضايقه. في سن الرابعة عشرة، ضربه فتى في المدرسة. رد آدم بضربة أقوى. كسر أنفه. منذ ذلك اليوم، لم يقترب منه أحد. تعلم آدم القتال. ليس في صالة رياضية، بل في الشوارع. تعلم من مشاهدة الأفلام، من الكتب، من التجربة. صار يمارس كل يوم. صار جسده أقوى، وعقله أسرع. لكنه بقي وحيدًا. لم يكن له أصدقاء. لم يكن يثق بأحد. كان يرى في كل شخص تهديدًا محتملاً. كان يرى في كل ابتسامة كذبة. في سن السادسة عشرة، بدأ يبحث عن الحقيقة. عن ماضيه. عن أمه. عن الرجال الذين قتلوها. عن الرمز الذي رآه في منامه. عن العلبة الخشبية التي لا تزال مقفلة. قرأ كتبًا عن المنظمات السرية. عن الطوائف القديمة. عن الألعاب الخطيرة. وفي إحدى الكتب، وجد صورة للرمز: الدائرة، المثلث، العين. كان الكتاب يتحدث عن "لعبة الموت" - لعبة قديمة، عمرها قرون، يلعبها الأقوياء، ويموت فيها الضعفاء. توقف آدم عند الصفحة. نظر إلى الرمز. ثم نظر إلى يده. ثم تذكر كلمات أمه: "اللعبة ستقتله." والآن، فهم. أو بدأ يفهم.

الفصل التاسع: اليوم الأخير

في يوم عيد ميلاده الثامن عشر، كان آدم جالسًا في غرفته. كان الغرفة صغيرة، فيها سرير، مكتب، ورف كتب. على المكتب، كانت العلبة الخشبية. كان قد أخرجها من تحت السرير قبل أسبوع. كان ينظر إليها كل ليلة. في تلك الليلة، سمع صوتًا. طرقًا على الباب. قام آدم. نظر من ثقب الباب. لم يرَ أحدًا. لكنه رأى شيئًا على الأرض. مظروفًا. فتح الباب. أخذ المظروف. أغلق الباب. فتح المظروف. في داخله، كانت هناك بطاقة. على البطاقة، كان هناك الرمز: الدائرة، المثلث، العين. وتحته، بخطٍّ أنيق: "آدم. حان وقتك. اللعبة تبدأ." نظر آدم إلى البطاقة. ثم نظر إلى العلبة الخشبية. ثم نظر إلى يده. لأول مرة منذ سنوات، شعر بشيء مختلف. لم يكن خوفًا. لم يكن غضبًا. كان يقينًا. كان يعرف أن هذه اللحظة ستأتي. كان ينتظرها. وضع البطاقة في جيبه. أخذ العلبة الخشبية. نظر إلى المرآة. رأى وجهه. رأى عيني أبيه. رأى عيني أمه. رأى كل شيء. ثم قال بصوت هادئ: "فلنلعب."

الفصل العاشر: البداية

في الخارج، كانت المدينة تغرق في الظلام. كانت الأضواء تلمع في البعيد. كانت السيارة السوداء تنتظر عند نهاية الشارع. فتح آدم الباب. خرج. المطر كان ينزل بغزارة. لكنه لم يهتم. مشى نحو السيارة. فتح الباب. جلس في المقعد الخلفي. في المقعد الأمامي، كان هناك رجل. لم يستدر. فقط قال: "مرحبًا يا آدم. كنا ننتظرك." "من أنتم؟" سأل آدم. "أصدقاء والدك." "والدي ميت." "لا. والدك ليس ميتًا. والدك... شيء آخر." نظر آدم إلى الرجل. ثم إلى النافذة. رأى انعكاس وجهه. رأى الطفل الذي كان. رأى الرجل الذي صار. "أين نذهب؟" سأل. "إلى حيث تبدأ اللعبة." انطلقت السيارة. اختفت في الظلام. وبدأت الرحلة.

نهاية الجزء الأول

إعلان

كيف وجدت الرواية؟

💬 التعليقات

سجّل دخولك لإضافة تعليق