الفصل 1

حين اختفى الضوء

967 كلمة · 5 دقيقة للقراءة

إعلان

كانت هناك فتاة تدُعى "إيلا"، تعيش في قلب عائلة مشتّتة، لا يربط أفرادها سوىسقف واحد ومشاكل لا تنتهي.

الهدوء كان ضيفا نادرا في بيتهم، والصراخ عادة مسائية مألوفة.

عاشت إيلا مع أختها الًأصغرً ب خمسة أعوام، وأخوها الأكبر بأربع سنوات.

رغم قرب الأعمار، كانت المسافات بينهم أبعد مما يتخيله عقل.

جدران المنزل تشهد يوميا على معارك الكلمات، على دموع تختبئ خلف أبوابمغلقةً، وعلى أحلام خائفة من أن توُلد.

إيلا كانت تجُيد الصمت، لا لأن الكلام ممل، بل لأن أحداً لم يكن يستمع.

وفي كل ليلة، كانت تنظر من نافذتها إلى القمر، كأنها تبوح له بكل شيء... دون أنتنطق بشيء.

وفيٍ ذلك الصباح،

استيقظت إيلا على صداع ثقيل، وحرارةٍ مرتفعة كأن جسدهايحترق من الداخل.

لكن الألم لم يكن السبب الأول الذي أيقظها...

كان الصراخ.

نفس الصراخ المعتاد، لكن هذه المرة... أعلى، أشدّ، وكأنه يحملنهاية ما.

نهضت من سريرها بصعوبة، تجر جسدها المتعب نحو الباب،تفتحه ببطء، فتصلها أصواتّ متداخلة، كلمات تتطاير

كالسكاكين

تقدّمت بخوف،

رأت أمّها جالسة على الأرض، وجهها منهار، شعرها مبعثر،وعيناها متورمتان من البكاء.

أخوها واقف، يردّ بانفعال على أبيهم الذي كان يصرخ بوجهالجميع، غير مدرك لأي شيء سوى غضبه.

وفي الزاوية...

رأت أختها الصغيرة، تجلس وحدها، تحت الطاولة،تحتضن نفسها، ترتجف، ودمعة تنزل من عينها دون أنتمسحها.

شعرت إيلا للحظة وكأن البيت كله ينهار،ليس من فوق... بل من الداخل.

وفجأة…

بدأت الأضواء أمام عيني إيلا تبهت.

كل شيء صار ضبابيًا، الأصوات بعيدة، الصور متقطعة.

تسمع صدى الأصوات، لكنها لا تفهمها.

رأسها يدور، قدماها لم تعودا قادرتين على حملها.

ثم…

ظلام.

الصوت التالي كان بعيدًا، لكنه مألوف:

ـ "إيلا؟ إيلا! ماذا حصل؟ استيقظي!"تبعتها أصوات أخرى، وجوه خائفة، وارتباك.

لم تمر سوى دقائق…

حتى شعرت إيلا ببرودة قاسية تلامس جلدها، وأنفاسها محاطة بأصوات أجهزة طبية.

فتحت عينيها ببطء…

الضوء الأبيض فوقها، أنابيب، وأسلاك، ورائحة المستشفى الواضحة.

نظرت إلى أمها التي كانت بجانبها، عيناها محمرتّان، ووجهها مليء بالقلق.

قالت الأم بصوت مكسور:

ـ "فقدتِ الوعي فجأة… جبناكِ للمستشفى… إيلا، ما الذي حدث؟"

نظرت إيلا إلى السقف... صامتة.

لم تعرف ماذا تقول.

كل ما تذكره هو الصراخ… والضوء الذي اختفى.

أغمضت إيلا عينيها لوهلة، ثم أعادت فتحهما ببطء.

كل شيء حولها كان أبيض… أكثر من المعتاد، وكأن الضوءنفسه يحمل طابعًا غريبًا، باردًا.

همست بصوت خافت:

ـ "كم بقيت هنا؟"

أجاب الطبيب الذي دخل الغرفة لتوّه:

ـ "خمس ساعات. أغمى عليكِ في المنزل نتيجة هبوط حاد…لكن كل شيء تحت السيطرة الآن."

نظرت إيلا إلى يدها.

كان هناك شريط طبي يثبّت الإبرة، لكن ما شدّ انتباهها لم يكنالشريط… بل رعشة خفيفة شعرت بها في أطراف أصابعها، كأنتيارًا خفيفًا يسري فيها.

مرت لحظة.

ثم قالت أمها، وهي تمسك بيدها:

ـ "خفت عليكِ كثيرًا، إيلا… ما الذي شعرتِ به قبل أنتسقطي؟"

صمتت إيلا. كانت تريد أن تقول "الضوء اختفى"... لكنها لمتفهم نفسها.

فقط هزتّ رأسها وقالت:

ـ "ما أعرف… كل شيء صار ضباب."

ابتسمت أمها ابتسامة باهتة، لكنها كانت تحمل أكثر دفء رأتهإيلا منها منذ وقت طويل.

وهي مستلقية، نظرت إيلا إلى السقف، ثم إلى النافذة

إعلان

الجانبية…

ورأت القمر، مختبئًا خلف الغيوم، يلمع بهدوء.

وفي داخلها…كان هناك شعور جديد. شعور لم تفهمه.

صفحة 5 كأن هناك شيئًا يقترب.

فأغمضت إيلا عينيها مجددًا، لكن هذه المرة لم يكن من التعب.

كان كأن شيئًا في داخلها يحاول التذكّر… لا ذكرى واضحة، بل إحساس، ظلّيتردد في قلبها كهمسة لا تفُهم.

سمعت صوت الطبيب من جديد، يتحدث مع أمها بصوت منخفض، لكنها لمتميز الكلمات. كل شيء من حولها صار بعيدًا… ضبابيًا، كما قالت قبل قليل.

وفجأة، شعرت بها مجددًا—الرعشة.

لكنها لم تكن في أطراف أصابعها هذه المرة. كانت أعمق. كأنها نبضة غريبة فيصدرها… نبضة لا تشبه نبضات القلب.

فتحت عينيها فجأة، فالتفتت أمها فورًا.

ـ "إيلا؟ حبيبتي، أنتِ بخير؟"هزتّ رأسها ببطء.

ـ "أنا… سمعت شيئا… في داخلي."نظرت إليها الأم بقلق. لكنها لم تتكلم.

أكملت إيلا، بصوت خافت:

ـ "كأنه… نداء. أو صدى

ساد الصمت. حتى الطبيب لم يعد يتكلم. شعرت إيلا أنهم يراقبونها، لكن بعيونمختلفة.

ثم، ومن خلف الباب، سُمِعَت طرقة خفيفة.

لم يفتح أحد. لكن الباب انفتح وحده، ببطء.

ودخلت امرأة.

كانت ترتدي معطفًا رمادياً، ونظرة عينيها لا تشبه أحدًا في الغرفة.

تقدّمت نحو إيلا… وابتسمت.

ـ "أخيراً استيقظتِ."

تبادل الطبيب والأم نظرات سريعة، وكأن وجود هذه المرأة لم يكن متوقعًا…أو غير مرحبَ به. لكن لم يعترض أحد.

نظرت إيلا إلى المرأة مطوّلاً. لم تعرفها، لكن عينيها… فيهما شيء مألوف.

كأنها رأتها من قبل. لا في حلم… بل في لحظة نسيان.

قالت إيلا بصوت خافت:

ـ "من أنتِ؟"

اقتربت المرأة أكثر، حتى أصبحت على بعد خطوة من السرير.

ـ "اسمي ليس مهمًا الآن. ما يهم هو ما بداخلك."ارتجف قلب إيلا. ليس خوفًا… بل لأن تلك الكلمات لم تكن غريبة عليها.

ـ "ماذا تقصدين؟"

أجابت المرأة، وهي تميل برأسها قليلاً:

ـ "الضوء، يا إيلا. الذي اختفى… لم يكن وهمًا. أنتِ لمتنهاري فقط. أنتِ… تغيّرتِ."

كانت الأم تهمّ بالنهوض، لكن الطبيب منعها واراد منهاتنتظر ،

قالت إيلا وهي تنظر في عيني المرأة:

ـ "أنا شعرت به لا اعلم… كأنه شيء… انكسر. أو انفتح."أومأت المرأة، بابتسامة خافتة:

ـ "بدأتِ تشعرين بالعبور. هذا طبيعي."ـ "عبور؟ إلى أين؟"

ساد صمت غريب. المرأة نظرت نحو النافذة، إلى القمرالمختبئ خلف الغيوم، ثم قالت:

ـ "ليس إلى مكان… بل إلى ذاتكِ الحقيقية."

تسارعت أنفاس إيلا قليلا. شعرت بشيء في صدرهايتحرك… ثم كأن الضوء نفًسه عاد، لكن بلون مختلف.

ثم همست المرأة، وكأنها تقرأ أفكارها:

ـ "حين يقترب الضوء من نهايته… يولد شيء آخر."

ـ "وما هو؟"

ابتسمت المرأة، ونظرت إليها نظرة أخيرة قبل أنتستدير نحو الباب المفتوح:

ـ "هذا… ما عليكِ أن تكتشفيه."وغادرت.

عندما خرجت المرأه الغريبه ساد في الغرفة صمت طويل.

الطبيب خرج بعد أن تأكد أن كل شيء مستقر، لكن الأم بقيتقرب إيلا، ممسكة بيدها خائفه بصمت.

قالت إيلا فجأة:

ـ "ماما… هل في شيء عني ما قلتِ لي إياه من قبل؟"

رفعت الأم نظرها بسرعة، كأنها لم تتوقع السؤال. لكنها لم تجبفورًا.

ـ "ليش تسألين؟"

نظرت إيلا إلى السقف، وقالت بصوت خافت:

ـ "المرأة اللي دخلت… ما كانت غريبة علي. وعندها طريقةبالكلام… كأنها تعرفني تعرف ما يحدث معي.

بدت علامات التوتر على وجه الأم، لكنها حاولت أن تبقي نبرةصوتها هادئة:

ـ "أحياناً لما نكون ضعاف… نحس بأشياء ما لها تفسير."لكن إيلا لم تقتنع.

إعلان

كيف وجدت الرواية؟

💬 التعليقات

سجّل دخولك لإضافة تعليق