الفصل 1

مملكة القطط

3,774 كلمة · 19 دقيقة للقراءة

إعلان

المرعبُ في الأمرِ هو أنّي حين فتحتُ بابَ عقلي وجدتُ إبليساً يلعبُ مع ملائكةٍ يشربون الينسونَ في أقداحٍ مخصصةٍ للخمرِ!

كنتُ مُستلقياً في الصالةِ قريباً من بابِ الشرفةِ منتصفَ الليلِ، لا أحدَ بجانبي، فجُلُّ أخوتي موزّعونَ في غرفِ البيتِ.

وكنتُ أفكر في هذه الحربِ التي لا يهدأُ القصفُ فيها لحظةً. منسجماً مع سيجارتي من الحشيشِ الفاخرِ، أسحبُ نفساً وأنفُثه من بابِ الشرفةِ إلى الهواءِ في الخارجِ. وعلى طرفِ الصالةِ تتجمعُ بعضُ كراتينَ المساعداتِ، وهناك فأرٌ يطلُّ برأسِه بين الفينةِ والأخرى من بين الكراتينِ.

لقد شتّتَ حبلَ أفكاري، وبدأ يؤرّجح لوثةَ دوختي الممتعةِ، وما أن أتأهّب للانقضاضِ عليه حتى ينقشعَ فأراً بين الكراتينِ. فقلتُ ليتني أتحوّلُ قطّاً لكنتُ طاردتُك، حتى أمسككَ من عنقكَ فأنظّف المكانَ منك.

فجأةً! اشرأبَ بدني، وانتفضتُ، وإذا بي أتحوّلُ قطّاً!

قطٌ أبيضَ ناصعَ البياضِ مع خطّين سوداوين عند عينيَّ وثالث يمتدّ على ظهري، ووجدتُني أندفعُ نحوه، أقفزُ وأنزلقُ ما بين كراتينَ المساعداتِ، كدتُ أن ألتقطَه لكنه قفزَ إلى الكرتونةِ السعوديةِ، فغرستُ نفسي بداخلها وضربته بمخليِّ البارزِ، فقفز إلى كرتونةِ الفارسِ الشهمِ، فشققتُ كيسَ عدسٍ ضخمٍ، فاستقامَ ذيلِي وحشرته، اختفى لا أعلم إلى أينَ، سكن كلٌّ منا، فاستمعتُ لأنفاسِه ورجفاتِ بدنه، أطلّ برأسهِ بحذرٍ وضربته فأخذَ مخلبِي جزءاً من جلده، وتطاير فإذا به يندسُ في كرتونةِ الغذاءِ العالميِّ، اندفعتُ نحوه وحشرته بين علبةِ فاصوليا حمراء وكيسِ أرزٍ حبّته قصيرة، فانقضضتُ عليه وأمسكتُه بين فكي. وبسببِ تلكَ الجلبةِ التي أحدثتها في اصطيادي له، استيقظَ أحد أخوتي، وسرعان ما اقتحمَ الصالةَ وإذا به يقذفني بحذائه، فقلتُ: "ماذا تفعل؟ أنا أخوكَ لؤي؟"، لكنه ركضَ نحوي، فشعرتُ برعبٍ شديدٍ ما دفعني إلى الهربِ خارجَ المنزلِ بأكمله. كنتُ أظنّ ذلك من أثرِ الحشيشِ، إلا أنّه غدا واقعاً حقيقيّاً لا أعلمُ كيف حدث.

لمدةِ يومين وأنا أتجول حول منزلِنا وأحادثهم ولا يسمعون كلامي، وكنتُ أفهم ما يقولون، فقد كانوا يتحدّثون ويصيحون عليّ، ظنّهم أن اختفائي سببه مقتلي في مكانٍ ما. كانت أمي يرتجف فمُها باسمي متقطّعاً ( ل..ؤ..ي ) كان ذلك يذبحني، وأقفز أمامها صارخاً ( ها أنا لؤي يا حبيبتي يا أمي أرجوكِ اسمعيني! ) وأصيح في داخلي أريد إنسانيّتي، ما هذا السخطُ الذي انسخطتُ إليه! أقف أمامهم أصرخُ مواءً، أجرح بمخالبي البلاطَ والسجاجيدَ لعلّهم يعرفونني ويشعرون بابنهم ومصيبته.

كانوا لطفاءَ معي، يضعون لي بعض الطعامِ، لكن محظورٌ عليّ دخولَ المنزلِ.

مرت بعض الأيام، حتى جاء يومُ الإخلاءِ بعد قذفِ المناشيرِ على حارتنا من السماءِ، فهاج الناسُ وصاحوا، وما هي إلا ساعاتٌ حتى جاءت الشاحناتُ ورحلتِ العائلاتُ لا أعلم إلى أينَ، لكن أسرتي وبعض الأسرِ في الحارة لم ترحل.

وكنتُ أتساقطُ من أثرِ البكاءِ وأنا أدعو اللهَ بأن أعودَ بشراً أسعى منتصباً، أجالس أهلي وأسرتي وأصدقائي وأجاورهم في محنتهم، فقد كنتُ أرى في وجوهِهم وهجَ القصفِ ورعبَ النزوحِ، كنتُ أرى الخوفَ في مخارجِ أحرفهم، أراه ينزُّ من جلدهم كأنه عرقٌ يدمع، تمنيت لو كنتُ معهم ألتحف بخوفهم، أسيلُ دمّاً من أعينهم، أحتويهم في حضني ويعصرونني في أحضانهم. آه يا وجعي!

كنتُ أحياناً أبتعد عن المنزلِ، وكانت القططُ الأخرى تندهشُ من بعض تصرفاتي إذ كنتُ في أحايين كثيرة أحاول السيرَ على قدمي الخلفيتين فتنتصب القامةَ. فجاء قطٌّ طاعنٌ في السنِّ، اقترب مني وبدأ باستنشاقي والدوران حولي، وحين انتهى قال: "هذا ليس منا، إنه قطٌّ متحوِّلٌ، وأغلب الظنِّ أن به مسحةٌ بشريةٌ، ولا أعلم ألعنة أم نعمة على عشيرة القططِ هو.".

الغريب في الأمر أن ذكور القططِ ازوروا وجودي لأن الإناثَ بدأن بإحاطتي، وكنَّ يتعاركن مع أي ذكرٍ يحاول الاقتراب للنيل مني. سمعت إحداهنَّ تخبر الأخرى: "إنه قطٌّ استثنائيٌّ، وسيمٌ حدَّ الجنونِ، شعره لامعٌ مضيءٌ كالألماسِ، كما أنه يتصرَّف كالبشرِ، يجب أن ننجب منه كي ننعم بأبناءٍ وسيمين لامعين، لهم انتماءٌ حقيقيٌّ لأمهاتهم كما يفعل بني البشرِ.".

عشتُ أسعدَ أيام حياتي، كانت إناث القططِ تتهافت عليّ من كل حارةٍ ومنطقةٍ، كان الطعامُ يأتيني من كل صوب دون أي مجهودٍ مني، وكانت كل الإناثِ تتنافس على إرضائي. وقد برز منهن اثنتانِ غمرَتاني بكل الحنوِّ والحنانِ، الأولى تُدعى مارين والثانية نيان. لقد كانتا تخافان عليّ حتى من نسماتِ الهواءِ، عشقَانِي بولعٍ، ودافعتا عني ضد الذكورِ حتى الشرسِ منها بل حتى ضد الكلابِ، وقد أُصيبَتَا جرّاء ذلك من أجلي.

أصبحت آكل كثيراً ما لذ وطابَ، وأعاشر ما شئتُ من القططِ رغم أن هذه المسألة لم تكن ترق لي، ولكني أفعلها من أجلهنَّ في المقام الأولِ.

أصبحت حركتي ثقيلةً كما الملوكِ، وازداد وزني فأصبحت بديناً، وكان الذكور جميعهم يتمنون فرصةً لإيذائي لكن الإناثَ كُنَّ يُحطنَ بي بشكل متواصلٍ خصوصاً مارين ونيان كما أخبرتكم.

ازداد القصفُ، وبدأ رصاص طائرات الأباتشي يخرق بدنَ الحارةِ، حينها رأيت أهلي والبقية الباقية من قاطني الحارةِ يفرون جنوباً، والقططُ تفرُّ إلى مخابئها في المعسكر بمحاذاة الوادي، فاحترت، مع من أذهب؟

لوهلةٍ تذكرت معيشتِي آخر شهرينِ في الحربِ، إذ فتكت بنا المجاعةُ، فقد كان الدقيق نادرَ الوجودِ، وإن وُجد فإنه فاحشُ الغلاءِ. تذكرت يوم رأيت في السوقِ ذات مرةٍ بائعاً كل ما يبيعه هي حبةُ بصلٍ واحدة قسمها عدة أقسامٍ بأسعار فلكيةٍ لكل قسمٍ، تذكرت العدسَ الذي كانَ يترَأسُ الجلوس على موائدنا، فكان هو الخبز والطبيخ والمسليات والعشاء والفطور، تذكرت يوم خبأت أمي الخبز ووزعت علينا رغيفاً واحداً في اليوم لكل منا. تذكرت الباذنجانَ الذي كان فاكهتنا الوحيدة رغم انتمائه لصنف الخضرواتِ.

هل أرحل مع البؤس أم أبقى مع عالمي القططي الجديد الذي تسيدت به على جميع أترابي من الذكورِ؟

كانتِ الدموعُ تَسِيلُ على شَعرِ وجهي بينما أُشاهِدُ أخوتي ووالِدَيّ، والخوفُ قد دَمَّرَ أركانَهُم، ليتَني أَعودُ بَشَرًا، لكنتُ حَمَلتُهُم حَمْلًا على أَكتافي وفررتُ بِهُم، لكن إذا رَحَلتُ مَعَهُم سأَرحَلُ كَقِطٍّ، وسَأعيشُ كَقِطٍّ. فَنَزَعتُ نَفسي من الأَرضِ أَنتصَبُ بِقامَتِي، هيا اَندَفع أيُّها البَدِين شاباً! هيا اقفِز من مَسكَنِكَ القِطِّي! هيا اِنْتَفِض وقُم! فَشَدَّدتُ على أعصابِي لأكثر ما لديّ من عَزمٍ وقُوَّةٍ حَتّى انهارَت قُوايَّ، فَتَساقَطَت قُطّاً، ليس سوى قُطٍّ! لذلك رَمَقْتُهُم بِآخرِ نَظراتِي وفَكَّرت أيَّ الخيارات أَنتَخِب، مع أوُّلئِكَ ذوي القامةِ المُنتصِبَة أم مع أوُّلئِكَ السائرين على أرْبَعٍ؟

اخْتَرْتُ الخيارَ الثّاني وَوَدَّعْتُ أُسْرتِي في سِرٍّ، وَدَعَوْتُ لَهُم، ثُمّ عُدْتُ إلى إِناثِي وعالَمي الحَيَوَانِيّ المُزدهِر.

مَرَّ يومٌ وآخَر، والحياةُ جَميلَةٌ، هانِئَةٌ، إلى أن سَمِعْتُ ضَجيجاً هائِلًا يَحدُثُ في حارَتِنا، فانطلقْتُ لأرى، ولَحِقَتْنِي بَعضُ القُطُط.

اَندَفَعَت الصَّوَارِيخ إلى بَعضِ مَنازِلِ الحارَةِ وحَالَفَنِي الحَظُّ باِبتعادي عن الاِنفِجارات، دَخَلَت الدَّبابات وَتَرَجَّلَ الجُنود، فانطلقْتُ إلى مَنزِلِنا، رَأَيْتهم يَتَجَوَّلون فيهِ، وداخلَ مَنازِلِ الجيران، كانوا يَزرَعُونَ قَنابِلَ النَّسف، فاتَّجَهْتُ نحوَهُم، حاولت القطط مِنْعِي دونَ جَدوى، فانطلقْتُ بِمُفرَدِي في بادِئِ الأَمر، ثم لَحِقَتْنِي مارين ونيان وانتَظَرَانِي عِندَ بَوّابَةِ المَنزل.

صَحتُ في وَجهِ الجُنودِ مواءً صاخِباً، وَقفَزْتُ نَحوَهُم، فَضحِكُوا عَلَيّ بِسَبَبِ بَدَانَتِي ومَظهَرِي المُثِير، وَقَدَّمُوا لي طَعاماً، فأَكَلْتُ، ثُمّ خَرَجْتُ، وأَخرَجُونِي، والهِرتان تَتَبعانِي عن بُعد.

ابتَعَدَ الجُنودُ بي بِعيداً، ثم نَسَفُوا مُرَبَّعَنا كَامِلًا.

أَصابَنِي كَسْرٌ في قَلبِي لَحظةَ الاِنهيار، فَغُرفَتِي وأَشيائِي وأَسمائنا أنا وأخوتِي الَّتي نتنابزُ على بعضنا البعض فيها وَالَّتي كَتَبْنَاهَا صِغاراً على الجُدران كانت تَتَأَرَّجُ أمام ناظِرِي، كُتَيّبٌ كُنتُ أُدَوِّنُ فيهِ مُذكَّراتِي مُنذُ أَكثَرَ من خَمسِ سَنَواتٍ! قلادَةٌ رَبِحْتُها في مُباراةِ كُرَةِ قَدَمٍ، قنينةُ عِطرٍ أَهْدَتْها لي اِبْنةُ خالَتِي قَبلَ سَنَتَين خلسَةً دونَ مَعْرِفَةِ أَحَدٍ، نَفَذَ العِطرُ مِنْها وبَقِيَتِ الزُّجاجةُ شاهِدَةً على أَوَّلى دَفَعَاتِ العِشْقِ الطُّفُولِيّ، خَيالُ أُمِّي في المَطبَخِ وفي الرِّدْهات، مَظهَرُ أَبِي على مَقعَدِهِ في الشُّرفَة يَسْتَنشِقُ سَجائِرَه ويَنْدَفِعُ الدُّخانُ إلى الهَواء، فَقَد كان مَحظوراً عَلَيْهِ لقْمُ السَّجائرِ في الصَّالَة أو غُرَفِ النّوم، كُنتُ أَتَذَكَّرُ كُلَّ شَيءٍ وأَنا أُشاهِدُ أَتربةَ اِنهيارِ المَبْنَى تُغَطِّي مَجالَ الرُّؤية، وَقَد كانت تبكِينِي كما أَبكيها.

غادرُوا المكانَ، وبتًّ أتجولُ بينَ الأزقةِ وفوقَ الردمِ كسيرَ القلبِ، تصطحبُني الهرتان مارين ونيان.

عدتُ أدراجي، وفي طريقِ العودةِ هاجمَني مجموعةٌ من ذكورِ القططِ يفوقُ عددُها العشرينَ هراً. في البدايةِ تصدّتْ مارين ونيان لهم فمزّقوهنّ تمزيقاً، ثم اندفعوا نحوي وتهافتوا على عضي وغرسوا مخالبَهم في جلدي، لقد شقّوا بدني، ومن حلاوةِ الروحِ وقفتُ على ساقَيّ الخلفيتين فتوقفوا عن القتالِ، وصاروا يرمقونني بنظراتِ التوحشِ والترددِ في نفسِ الوقتِ، لمستُ في أعينهم خوفاً ورعباً من منظري المنتصبِ، فحكرتُ يديّ في الهواءِ تجاههم وبدأتُ بالمواءِ الصاخبِ، تراجعوا، فتقدمتُ ففرّوا هاربينَ. فتساقطتُ أرضاً. فتحاملتْ الهرتان جراحَهُما وحملاني.

بكتِ الإناثُ على حالتي الرثةِ وإصاباتي الخطيرةِ، وقمْنَ بلحسِ جسدي لتضميدِ جراحاتي، بكينَ عليّ كثيراً، وسعدتُ بهذا الاهتمامِ البالغِ.

بعدَ أيامٍ تماثلتُ للشفاءِ، ولكن كانت تلك المعركة الضارية صيحة في ناقوسِ الاستقرارِ والأمانِ، لذلك قررتُ أن أنتفضَ وأتخلصَ من كلِّ الذكورِ. اتفقتُ مع الإناثِ، وبدأنَ بالتخلصِ من كلِّ قطٍّ على حدةٍ، ويوماً بعد يومٍ، لم يتبقَّ في المنطقةِ كلِّها سوى الإناثِ وقلةٍ قليلةٍ من الذكورِ الذين نالَهم العفو إذ لم يكن لهم دخلٌ في أيِّ شيءٍ.

حددتُ مكاناً لمكوثي أنا وإناثي المخلصاتِ والحرسِ منهنَّ في فيلا كبيرةٍ تعودُ للحاجِ أبي سلطان، وهي مبنى لم يُصبْ إلا ببعضِ رصاصِ الأباتشي الثقيلِ، وقد كانت إقامةً ملكيةً هناك.

أخبرتُ القططَ عن الشاحناتِ وما تحملهُ من موارد، وكميةِ الطعامِ المتوفرةِ، أمرتهم بالذهابِ إلى أماكنها وسرقةِ ما يمكن سرقتهُ دون مخاطرةٍ.

عقدتُ اجتماعاً مع الإناثِ وأخبرتهنَّ حجمَ المخاطرِ التي تحيطُ بنا، إذ قلتُ:

"لابدَّ لنا أن نُؤمّنَ مناطقَنا ونُدرّبَ الأطفالَ والكبارَ على طريقةِ السيرِ على قدمين، فهي سلاحٌ مرعبٌ لباقي القططِ. ولابدَّ أن نستوليَ على كلِّ مواردِ الطعامِ حولَ حياضِ المنطقة."، ثم وثبتُ على قدمين وصحتُ: "يا معشرَ القططِ تجمعوا، اتحدوا، فالنقتلْ كلَّ ذكرٍ ونأسرْ البعضَ للتناسلِ، يا معشرَ القططِ أنتم العظماءُ، أنتم سلالُ الأسود والنمور والفهود المرقّطة، أنتم ملوكُ الأرضِ. أنتم الأقوياءُ والأبطالُ. يا معشرَ القططِ استلوا طعامَكم من فمِ العالمِ، من معدةِ البدينين.".

فنظرتُ إلى بدانتي وابتسمتُ في خلسةٍ ثم واصلتُ: "كلهم دونكم وأنتم الأعلى، هيا رددوا معي، نحن الأعلى، نحن الأعلى!"، فردّدوا بحماسةٍ: "نحن الأعلى، نحن الأعلى!".

دربهم على الوثوبِ بل والسيرِ على القدمين الخلفيتينِ. ثم انطلق بهم إلى منازلِ الحيِّ الخالي من السكانِ، فتحَ الثلاجاتِ أمامَهم فتعلموا فتحَها منه، أرشدهم على أماكنَ تخزينِ الطعامِ في بيوتِ الحيِّ، علمهم طرقَ إشعالِ النيرانِ، استخدم الأدواتِ الحادّة لمحاولةِ فتحِ المعلباتِ ونجح أحياناً بفتحِ بعضها وعلمهم ذلك.

انطلق معهم إلى الأحياءِ المجاورةِ، انقضَّ مع جماعتهِ على القططِ الأخرى، وصالَ معهم في معاركَ ضاريةٍ انتصروا فيها جميعاً.

يتكلم القطُّ المتحوّلُ لؤي إذ يقولُ:

"أصبحنا نسيطرُ على المحافظةِ بأسرِها، عليها وعلى كلِّ مقدراتِها خلال شهرين فقط.".

ازداد معدلُ البدانةِ في صفوفِ الإناثِ خصوصاً المقربات منهنَّ، وازداد الترفُ وارتفع منسوبُ البهرجةِ، والطعام أصبح ليس همَّنا الأكبر.

وذاتَ مرةٍ وأنا أتجولُ بين الردمِ، شممتُ رائحةً فواحةً تخرجُ من إحدى المباني، رائحةً وكأني أخبرها، لقد سحبتني لعالمي البشري، يا لها من رائحةٍ! كأني أرى أنفي وفمي البشريان، كأني أرى دوخةً لذيذةً في رأسي. صحتُ بمواءِ: "إنها هي!" فأمرتُ الحرسَ من حولي بأن يتبعوني لنصلَ إلى مصدرِ الرائحةِ، دخلنا خلال ثغرةٍ من الردمِ، مررنا بردهاتٍ ضيقةٍ، وعلى حافةِ سريرٍ وقع على طرفه عامودُ باطونٍ، زحفتُ أسفله فأخرجتُ كيساً كبيراً من الحشيشِ، فقلتُ في نفسي هذا بيتُ حشاشِ الحارةِ الأكبرِ أبو عوني.

نشرَ القطُّ المتحوّلُ لؤي هذه النبتةَ العظيمةَ على إناثه من الصفِّ الأول واستثنى بعضَ البديناتِ منهنَّ، وعلمهنَّ زراعتها، فانتشى مجلسُهُ الملكي في فيلا الحاجِ أبي سلطان.

أصبحت الإناث النحيفات يسيطرن على الصفِّ الأولِ من حاشيته، وظلّ من القدماءِ أربعةٌ فقط. فقد قام بترقيةِ من كنَّ في الرتبِ الأدنى، واعتمد في ذلك على مدى النشاطِ واليقظةِ والجمالِ طبعاً. وقد احتجَّ عن ذلك لمواراةِ الإهمالِ والتجاهلِ للقدماءِ قائلاً لهنَّ: "أنتنَّ الأصلُ، أنتنَّ من قامت المملكةُ على أكتافهنَّ، وأريد مكافأتكنَّ بالراحةِ والاسترخاءً. لذا فعليكنَّ البقاءُ في القصرِ وحياضهِ. وكلُّ طلباتكنَّ أوامرٌ.".

بدأ الملكُ لؤي يسيرُ وهو محاطٌ بالإناثِ النحيفاتِ، يخطط معهنَّ، ويهاجم معهنَّ، ويوزع الأرزاقَ على المملكةِ بمشورتهنَّ، وقد برزت من ضمنهنَّ قطةٌ مثيرةٌ المظهرِ فاتنة الحُسنِ، حادّةُ الطباعِ قوية الأنياب والمخالب، فتية رشيقة لها حضور ومهابة، أسماها سلوى، وأصبحت يدهُ اليمنى.

في ظلِّ تلك الأجواءِ، ضجّت تلك الإناثُ البديناتُ منه، وبدأن في اجتماعاتٍ منفصلةٍ، وقد كان يشاهدهنَّ مجتمعاتٍ، فيقول في نفسه: "لماذا تجتمع تلك السبعُ بديناتٍ مع بعضهنَّ دون أي نحيفةٍ بينهنَّ؟ هذه ثالثُ مرةٍ أرى هذا المشهدَ، بكلِّ تأكيدٍ يتحدثن عن أمرٍ يخصُّهنَّ وحدهنَّ، وإلا لشاركتهنَّ بعضُ النحيفاتِ."، فكر وفكر، وتابع تأملاته: "إنهنَّ أولُ إناثٍ وقفن في صفي ضدَّ الذكورِ، بل هنَّ أول إناثٍ كنت في حمايتهنَّ من بدايةِ تحولي إلى قطٍّ، خصوصاً مارين ونيان.".

فتوجه نحوهنَّ بسيرٍ بطيءٍ، وكأنّه يتسلّلُ، وما أن وصل لهنَّ، صمتن، فراقب أعينهنَّ قليلاً ثم ابتسم بسماتهِ الساحرةِ وقال: "ما الأخبارُ، كيف أحوالكنَّ؟"، فأجبن بأنهنَّ على ما يرام، فقال لنيان: "لماذا لم أعد أرك في صالتي الملكيةِ؟"، فقالت: "لا عملَ لي هناك!".

إعلان

كان رداً صادماً للملك، ردٌ يدفنُ في أحشائه احتجاجاً صارخاً! فتلعثم، وأصيب بحكةٍ في جسدهِ فألقى برأسه أسفل فخذهِ اليمنى وعضَّها برقةٍ.. وابتسم لهنَّ مرةً أخرى قائلاً: "أنتنَّ أهمُّ قططٍ في المملكةِ، فأنتنَّ أولى القططِ اللائي ساعدنني منذ دخلت عالمَ القططِ."، وابتسم مجدداً. ثم رحل. سار والغضبُ يسيلُ من كلِّ جوانبهِ، وفي نفسه ينفخ والرذاذُ يخرج من فمهِ، وأنيابهُ برزت دون ضحيّةٍ تخطو أمامه، نفخَ غضباً محدثاً نفسهُ: "إنهنَّ يتآمرن عليَّ! ألا سحقاً لكنَّ يا شائهاتِ المظهرِ!".

اتجه إلى صالتهِ، استدعى الحرسَ والإناثَ النحيفاتِ وأصدر أوامره.

وبعد عدة ساعاتٍ، وصلت إلى مجلسه سبع رؤوسٍ في ماعونٍ كبيرٍ، في مقدمتهنَّ مارين ونيان، لقد اقتلعَ رأسَ كلِّ الإناثِ البديناتِ المجتمعاتِ في ذلك اليومِ، وأصدر أوامره بمنع أي اجتماعاتٍ لعددٍ أكثر من اثنينِ في المحافظةِ بأسرها.

كان وقع ذلك خطيراً على كلِّ المملكةِ، إذ بدأ الرعبُ يحتوش الجميعَ.

وبدأ القطُّ الملكُ لؤي بإصدار أوامرَ لم تُفهم في حينها مثل جمعِ معلباتِ اللحومِ التي لم يتم فتحها ونشرها على الردمِ أملًا في أن يصبَّها الرصاصُ الطائشُ والانفجاراتُ فتُفتح ولو جزئياً، كما أصدر أمراً استهجنته القططُ لكنها نفذت، وهو اختطافُ صغارِ الكلابِ شريطة أن يكونوا قد خرجوا من بطونِ أمهاتهم في مدةٍ لا تتجاوز الأسبوعَ، وشرطٌ آخر أن يكون والدا هذه الجراء ضخمان بشكلٍ لافتٍ.

وبالفعل حصل ما أراد، وجمع تلك الكلابَ، أشبعها حليباً، ثم لحماً حين اشتدّ عودها، وقام بعمل مدرسةٍ لها يُعلّمُها فيها كيف تخدمه وتخدم حاشيته ووزيراته النحيفاتِ، ودربهم على أصواته وعلى القتالِ، فنال ولاءها التامَّ.

وبدأ يستبدل الحرسَ من إناثِ القططِ بالكلابِ حين اغلظت أبدانُها واحتدت أنيابُها.

وفي هذه الأثناء، توقفت الحربُ باتفاقيةِ هدنةٍ، وعاد الناسُ إلى حاراتهم، وانطلق ليرى أسرته فما وجد منهم إلا أخاً واحداً وأختاً، وعلم بأن الباقي أكلتهم الحربُ، فضج من الحزنِ والأسى كثيراً، وعاد لمملكته وأمر بقتل بعض القططِ المتمردةِ من أثرِ الحزنِ والغضبِ على أسرته البشريةِ.

ولكن في تلك الأثناء عاد أبو سلطان إلى بيته ففرّ الجميعُ، وهو معهم.

إنه يعلم جيداً أن مجابهةَ البشرِ عمليةٌ خاسرةٌ حتماً، بسبب حوزتهم للسلاحِ الذي يقتل عن بعدٍ. ليس هو فقط من يعلم ذلك بل قططه وكلابه أيضاً.

وبينما كان يجهّز مكانَ استقراره هو وحاشيته وجيشه وذلك في أحراشِ الوادي، بينما كان كذلك إذ شعر بشيءٍ غامضٍ في بدنه، وشيءٌ آخر يدعوه للتوجه نحو طرفِ الوادي فانتزع نفسه ذاهباً، وهناك تحت أجمةٍ من شجرةِ إثل بالكاد تنبز من الأرضِ، رأى نوراً ساطعاً يندفع من الأرض ويخترق السماءَ، إشعاعُه كوميضٍ ساطعٍ لا يمكنك التحديق به، وجسده يقوده إليه، بل يدفعه إليه دفعاً، لكنه قاوم وتوقف، وأدرك بطريقةٍ غير مفهومةٍ بأنه ما أن يمسَّ بقعةَ الضوء تلك حتى يعود بشراً. وليتأكد من ذلك عاد واستدعى وزيرته سلوى وكلبين، وبعض القططِ، ووقف بمحاذاة الوميض، ووقفوا دون إبداء أي تفاعل، فسألهم هل يرون شيئاً فأجابوا بالنفي، وما زال الوميض يحثه على التقدم نحوه، فأمرهم بالمضي قدمًا نحو الأجمة، فذهبوا وعبروا الوميض ولم يحدث أي شيء، فأمرهم بالانصراف، واقترب من الوميض على حذرٍ حتى صار بمحاذاته، فبدأ شعره بالزوال، وبدأ يزداد طولاً ويظهر جلده البشري بشكلٍ طفيف، فابتعد سريعاً، فعاد قطّاً كما كان قبل قليل، فتأكد بأن ما استشعر به حقيقي، وبأنه آن الآوان لأن يعود بشراً.

توقف وفكّر، وأطال التفكير وهو بمفرده، فقال: "لم يحنَّ الوقت بعد، سأتحول بعد أيامٍ، ما زال في جعبتي الكثير لم أحققه."

وبينما يُغادِرُ المكانَ سيراً، إذْ هاجَمَتْهُ مجموعةٌ من قططِ مملكتِهِ في كمينٍ مُحكَمٍ، فوقفَ على ساقينِ فوقفْنَ مثلَهُ، واندفعْنَ عليهِ، فصاحَ على كلابِهِ، وصاحَ أكثرَ، وكثُرَتْ جراحاتُهُ، وظلَّ يموءُ بصياحٍ بالغٍ، وبعدَ دقائقَ وصلَتِ الكلابُ الشرسةُ، يركُضونَ ركضاً حثيثاً، وفتكوا بالقططِ في الحالِ.

فأمَرَ بحملةٍ شاملةٍ ضدَّ كلِّ من يُشكُّ في اعتراضِهِ أو احتجاجِهِ، وجمَعَ كمّاً كبيراً من القططِ، فأمَرَ بقتلِها جميعِها، فنضِحَ الوادي بالدماءِ، بلْ أمَرَ الكلابَ بافتراسِهِنَّ. لقدْ قتل يومَها نصفُ عددِ القططِ في حياضِهِ.

بعدَ ذلكَ، جمَعَ الكلابَ والباقيَ من القططِ وخطبَ فيهم:

"يا أبطالَ البلادِ وشجعانَها، أنتمُ الصفوةُ، أنتمُ النخبةُ، أنا مجرّدُ خادمٍ لكم ولأبنائِكم. لا أتسيّدُ عليكم في شيءٍ، فأنا منكم وأنتم مني، وأُقسِمُ لكم أنّي لم أتخلّصْ إلّا من الخونةِ الفاسدينَ الذينَ أرادوا إفسادَ حياتِكم ودنياكم. تعلمونَ يا أحبّائي أنّي لم ولنْ يَنَمْ لي جفنٌ إنْ شعرتُ بأيِّ شيءٍ يهدّدُ مستقبلَكم ومستقبلَ أبنائِكم. ولكنْ يوجد من وطِئَ حُرمتَنا وهدّدَ أمنَنا وطردَنا وأفسدَ أحلامَنا، ولابدَّ من إعادةِ الأمورِ لنصابِها. نحنُ معشرَ القططِ والكلابِ تمَّ احتلالُ موطنِنا، من أحدِ بني البشرِ، إنّهُ صاحبُ الفيلا الذي قذفَنا من مملكتِنا بشكلٍ مهينٍ. ولابدَّ من الانتقامِ. ردّدوا خلفي: نحنُ الأعلى.. نحنُ الأعلى.."، فردّدوا بحماسةٍ عاليةٍ.

أمَرَ كلبينِ من خيرةِ كلابِهِ، بالتسلّلِ لقصرِ أبي سلطانَ، وذبحِ أبنائِهِ، وأخبرَهما أنّهُ عملٌ انتحاريٌّ وربّما لنْ ينجوَ من ينطلقُ لتنفيذِ هذه المهمّةِ، وقالَ: "أعلمُ أنّكم أهلٌ لها.".

فانبرى الكلبان لذلك، تسللا في النهار وشاهدا صغيراً لأبي سلطان يسعى في فناء الفيلا، فانقضا عليه وشقوه شقاً، صاح الطفل وفقد الوعي، خرج أبو سلطان من صوت صياح طفله فشاهد بشاعة المنظر فاندفع نحوهما وأطلق الرصاص من مسدسه فألقاهما قتيلين، أما الطفل فقد نقل إلى العناية المركزة.

وفي المساء بينما الحزن يُخيم على القطط والكلاب، وسلوى تواسي الملك لؤي، إذ خرج من حياض الحاشية وأمر بألا يتبعه أحد، اتجه للأجمة، فشاهد الوميض قد خف ضوءه، ما زال يومض بظهور ساطع لكنه أخف من ذي قبل. حتى أن عملية الجذب للضوء كانت أخف، فقد كان يشعر بشيء يشده إلى هناك ولكن بقوة ضعيفة نوعا ما.

حدث نفسه: "لابد أن أعود بشراً وأتخلص من كل هذا الأمر."، برزت أنيابه وصاح بصوت مواء مخنوق: "لا.. ليس بعد!".

عاد لمسكنه وهو يضرب أخماساً في أسداس، وبشيء من الغيظ والحنق أمر بالهجوم مرة أخرى على فيلا أبي سلطان، فقُتل أربعة كلاب.

وعندما وصل خبر مقتل الكلاب، اختلت سلوى بالملك وقالت في غضب عبثاً تحاول إخفائه: " يا ملكنا ومليكنا، أما يكفي هذا؟ ما لنا ولذلك القصر المشؤوم؟ نحن لا قدرة لنا على أسلحة البشر، إنهم لعائن الله تحل عليهم يرموننا عن بعد، فلا مخالبنا ولا أنيابنا تطالهم."، فسكت الملك في حنق.

ثم انبرى بنفسه متجهاً ليلاً إلى القصر، تسلل من النوافذ وفتحات الأبواب، دخل الفيلا، ووصل غرفة صاحبها، ودسَّ نفسه بين بعض الكراتين، فشاهد امرأة أبي سلطان في غرفتها، تقف أمام خزانتها، فحدث نفسه: "إنها فرصتي، أنقض عليها وأشوه وجهها بمخالبي وأفر من هنا."، وقبل أن يندفع فكر في الرصاص الذي قد يفلق جسده لنصفين، فتوقف عن الهجوم، وظل يترقبها، فبدأت بخلع فستانها، فازرقت عيناه لمعاناً، وخلعت قميصها الداخلي، فلمع جلدها يبرق كأنه لون لوزة غير متحمصة مقشرٌ غطاؤها البني الرقيق، التفت وصارت في وجهه، وهو مختبئ بين صناديق ملقاة أسفل النافذة، حينما التفت نحوه شاهد نحرها، خط أسود طويل يفصل بين نهديها المضغوطين بحمالة صدر سوداء، فشعر بلذة تذكره بلذة قديمة لكنها فريدة، فقال: "أنا لست بشر، لماذا أثارني ذلك؟". ارتدت بجامة نومها، واستلقت على سريرها، فخرج من النافذة، واتجه إلى الأجمة، كان الضوء خافتاً، اقترب وابتعد. حدث نفسه: "إنها متعة أخبرها إذ كُنت بشراً، يا لها من متعة! ألا لعنة الله على القطط وإناثهن.".

عاد مجدداً إليها، وقد غطست في نوم عميق، تحرك حولها، فشاهد جوّالها، التقمه بين فكيه وفر هارباً.

اتجه إلى بيت الحشاش أبي عوني، فشاهده في خيمة تقبع بالقرب من ردم منزله، فتسلل إلى داخل الخيمة وألقى الجوَّال داخل كرتونة مساعدات كتب عليها (الإنسان أولاً).

وفي اليوم التالي أخذ معه سلوى وحارستين، انطلق وهنّ معه إلى سكان الحي يتلصص على نسائهم وبناتهم، دون أن تعي القطط عمّا ينظر.

بعد ذلك أمر مجموعة من عشرين كلب وعشرين قط، بدخول الفيلا وخطف المسدسات والأسلحة الأخرى. وبالفعل سرقوا بعض الأسلحة. وانقض باقي الكلاب على كل أسرة أبي سلطان، فقتلوا أحد أبنائه. ولكن هاجمهم الجيران، ودارت معركة لا مثيل لها، إذ كانت أوامر الملك لؤي، لا تراجع، إما طرد أبي سلطان من قصرنا أو الموت، وللأسف ومن جديد، تم قتل جميع الكلاب والقطط المهاجمة.

يقول الملك:

"جنّ جنوني، فأرسلت لهذه المهمة معظم الكلاب ونصف القطط المتبقية.".

ودارت معركة لساعات، قتل على إثرها ثلاثة رجال وامرأة وطفلين وأصيب العشرات، ولكن الكلاب والقطط قُتلوا من عند آخرهم.

ضاقت عليه الأرض بما رحبت، فانطلق للأجمة، التي بات ضوؤها خافتاً ضعيفاً، جلس بمحاذاتها وهو يأنُّ من الحسرة، فسمع صوت حركة ذيل ما، كانت سلوى، دارت حوله وقالت: "ماذا تفعل هنا والمملكة تأنُّ من الأوجاع؟"، فأجاب" أرجوك يا سلوى، دعيني وحدي!"، فصاحت به: "ماذا دهاك، إنك تُلقي بنا إلى الهاوية، دعك من ذلك القصر اللعين، نحن بخير دونه، نحن لا نقوى على البشر، هذه قاعدة كنا نتعلمها مع حليب أمهاتنا في الرضاعة."، فصاح بها: "وأنا بشر!"، فألقت وجهها في منتصف وجهه وصاحت بعد أن برزت أنيابها: "بل أنت قط، لست سوى قط، لا يدين تملك ولا ساقين، لا أصابع ولا قبضة تضم بها على الآلات، أنت مجرد قط تسير على أربع."، فتدلى رأسه وقد قطر شعر وجهه من لعابها، وصمتَ صمت الاستكانة والخضوع.

ماذا عساه يقول بعد كل تلك المجازر التي تسبب بها والتي دمرت جزءاً كبيراً من جيشه الذي تكوّن بشق الأنفس.

تركته سلوى وأشاحت بذيلها عنه، توجه إلى الأجمة يسير وكأنه يزحف زحفاً، وما أن وصلها وقد اقترب على ملامستها وقد خفّ وميضها بشكل كبير جداً، نطق بصوت مخنوق: "بل أنا إنسان، رجل، بشر.."، وكاد يلمسها إلا أنه تراجع في آخر لحظة.

في اليوم التالي انطلق نهاراً في الحي يجول بين درم المباني، وبين خيام النازحين، حتى وصل الفيلا، وهناك تسلل ودخل غرفة امرأة أبي سلطان، وكانت خالية، فسمِعَ صراخاً صاخباً خارج الغرفة، فاندفع خلسة نحو الصياح، فشاهد أبا سلطان يشد شعر زوجته ويشبعها ركلاً، فاشرأبت شعيرات أنفه، وتوسعت حدقات عينه وسمع التالي: "إلى من أرسلت تلك الصور التي ملأت الحارة وأنت بملابس النوم؟ مع من كنت تتواصلين أيتها العاهرة!"، وهي تصيح: "لقد سُرق جوّالي ونشروا الصور، إنها ملابس بيتي العادية، اتركني أيها الحقير.".

انتفض الملك لؤي من مكانه، واتسعت دائرة سعادته، فانطلق، إلى مملكته، وأصدر أوامره بمهاجمة القصر من جديد، فاعترضت سلوى وصاحت به: "هذا يكفي!" فأخبرها بما جرى، وبأن قصر أبي سلطان أصبح شعلة من النار، تهتك ستره وفقد توازنه، واشتعلت النيران بداخل قلوب ساكنيه، وقال بأنها أنسب فرصة لمهاجمته. واصلت سلوى اعتراضها، واشتد النقاش بين الطرفين، فغضب، واندفع نحوها صائحا: "سلوى لا أريد سماع صوتك البتة."، فواصلت اعتراضها فأمر بها، وسحبها كلبان وكادا قتلها إلا أنه أمر بحبسها في صندوق يوضع على سقفه أحجار بناء، فتم حبسها.

فرتبهم ونظمهم، ووضع خطة الهجوم، ودفع بكل كلابه وجزء كبير من قططه وأمرهم بالهجوم فوراً، وأبقى على حراسة حياض مسكنه في الوادي.

كان الهجوم ضارياً، أحدث رعباً في الحي بأسره، فقد حاصروا القصر، وأطبقوا الكمائن على كل المداخل والمخارج.

ساحة قتال حقيقية، كان حينها الملك يُراقب القصر من مبعدة، هو وحاشيته من بعض قططه.

ست ساعات، دماء في كل مكان، صياح وصراخ لم يتوقف، ما جعل الناس من الأحياء المجاورة يهبون لمحاولة إيقاف الملحمة.

قُتل كل المهاجمين عن بكرة أبيهم، ومات عدد من البشر والعديد من الإصابات. وصلت الأخبار، فأصيب الملك بالرعب، وأمر باقي القطط بمعاودة الهجوم، فتدلت رؤوسهن، فهاجمهن بمخالبه. وفي تلك اللحظات كانت بعض القطط يزحن الحجارة عن صندوق سلوى، وما أن خرجت صاحت: "يا معشر القطط، نحن الأعلى.. نحن الأعلى.. اقتلوا الملك لؤي!".

ففر سريعاً، والقطط يلحقن به، وصل إلى الأجمة وهو يلهث، وقد كان الضوء مجرد بصيص لا يظهر منه إلا مجرد بقعة أصغر من حبة فاصوليا، فاندفع نحوها، لامسها، لاثها برأسه وأنفه وفمه، استلقى فوقها، تمردغ بها، فبدأ فعلاً بالتحول. ولكن لضعف الضوء، لم يكتمل، فقد تحول فقط رأسه إلى رأس إنسان، وبقي الجسد قطاً! وصلت سلوى ومن معها، كان يتمدد ويتلوى وكأنه تمزق من نفسه ويصرخ: "أنا الأعلى .. أنا الأعلى.. هيا انتفض يا بدني، هيا عُد يا لؤي!".

فصاحت سلوى: "نحن الأعلى.. نحن الأعلى.. اقتلوا هذا الملك المسخ!"، فانقضت عليه القطط من كل صوب، وغرسن أنيابهنّ ومخالبهنّ في لحمه، وظل ينشب دماً، ولحمه يتقطع ويتوسل لهنّ بالتوقف، لكنهنّ واصلنّ عملية الافتراس، حتى شققن رأسه عن جسده!

إذا فككنا قيد أعيننا قد نرى الحقائق المطلقة، قطعاً يعشش فينا قط أو فأر أو حمار أو أسد، لكن من غير الممكن أن يعشش الإنسان فينا، فنحن، أنا وأنت، أنت وأنا، أسياف يبطش بها كائنٌ استكبر على من بثه إلى هذا الوجود.

إعلان

كيف وجدت الرواية؟

💬 التعليقات

سجّل دخولك لإضافة تعليق