نظرية سودوكو

الفصل 10

الحياة التاسعة : اللقاء الأبدي

1,342 كلمة · 7 دقيقة للقراءة

🔊 ElevenLabs

عام 1788 "سواحل أستراليا"

عندما وصلت أولى سفن المنفى البريطانية إلى سواحل أستراليا، حاملة معها المجرمين والمنفيين، وأيضًا المستكشفين والعلماء.

كانت هذه الأرض مجهولة بالنسبة لهم، مغطاة بالغابات الكثيفة، يسكنها شعبٌ أصلي لم يسبق لهم التعامل معه.

ومع توسع المستعمرين، بدأت المواجهات، وأصبحت الأرض مسرحًا لصراعات خفية بين القادمين الجدد وأبناء الأرض الأصليين، بين العلم والخرافة، بين الطمع والبقاء.

في هذا العالم المضطرب، كان هناك رجل مختلف عن باقي المستعمرين، رجل جاء لا لينهب، بل ليكتشف: توماس هاردي، عالم الطبيعة الشاب، الذي لم يكن يدري أن رحلته ستقوده إلى شيء أكبر من أي اكتشاف علمي عرفه العالم من قبل.

وقف توماس أمام أحد الصخور الضخمة في الغابة، يمسح العرق عن جبينه، بينما كان يسجل الملاحظات في دفتره الجلدي القديم.

النقوش الحجرية أمامه كانت مختلفة عن أي شيء رآه من قبل.

رسومات لحيوانات، لأشخاص يركضون، وأخرى لكيان مظلم، يمتد ظله ليبتلع كل شيء من حوله.

همس لنفسه:

"الظل المتجسد..."

"لا ينبغي أن تكون هنا."

التفت توماس بسرعة، ليجد أمامه امرأة من السكان الأصليين، ذات شعر أسود طويل، وعينين تلمعان بحدة وسط الظلام.

كانت تحمل رمحًا خشبيًا، لكنها لم ترفع سلاحها بعد.

"من أنتِ؟"

"اسمي مارا، وأنت تنظر إلى شيء لا يفترض بك رؤيته."

توماس رفع دفتره وأشار إلى الرسومات، وقال بحماس:

"أنا عالم، أدرس تاريخ هذه الأرض.

هذه النقوش تتحدث عن شيء خطير، أليس كذلك؟ ما هو الظل المتجسد؟"

نظرت إليه مارا ببرود قبل أن تقول:

"إذا كنت تهتم بالعلم، فارحل، لأنك لن تعثر هنا إلا على الموت."

لكن توماس لم يكن رجلاً يهرب بسهولة.

بعد أيام من لقائهما الأول، كان توماس يتجول في الغابة عندما سمع صرخة مكتومة، ركض نحو الصوت ليجد مارا مقيّدة بالحبال، ويحيط بها اثنان من جنود المستعمرة، يهمّون بأخذها إلى القاعدة العسكرية.

"دعوها وشأنها!"

ضحك أحد الجنود وقال:

"هذه المرأة تساعد المتمردين، أمر الحاكم بإعدامها."

توماس لم يفكر، أمسك بحجر وألقاه بقوة على رأس الجندي، مما جعله يسقط، ثم انقضّ على الآخر ودفعه بعيدًا.

استغلت مارا الفرصة وركلت الجندي الأول قبل أن تلتقط سكينه وتحرر نفسها.

"لماذا أنقذتني؟" سألت وهي تلهث.

"لأنني لا أحب الظلم."

ترددت مارا للحظة، قبل أن تقول بصوت منخفض:

"إذا كنت صادقًا، تعال معي. هناك شيء يجب أن تراه."

قادته مارا إلى كهف قديم، حيث رأى المزيد من النقوش، لكنها كانت مختلفة هذه المرة.

في وسط الكهف، كان هناك مذبح حجري عليه شيء غريب "قناع أسود منحوت بدقة، يشع طاقة غامضة".

"هذا... ليس مجرد قناع، أليس كذلك؟" سأل توماس وهو يلمسه بحذر.

"إنه روح الأرض، أو ما تبقى منها." قالت مارا. "كان يُعتقد أن القناع يمنح قوة عظيمة لمن يرتديه، لكنه أيضًا يجلب الدمار إذا وقع في الأيدي الخطأ."

توماس فهم ما كانت تقصده.

كان المستعمرون يبحثون عن أي شيء يمكنهم استغلاله.

وإذا حصلوا على هذا القناع...

"يجب أن نخفيه." قال بحزم.

"هذا ما كنت أفعله قبل أن يقبضوا عليّ."

لكنهم لم يكونوا وحدهم في الكهف.

صوت صدى أقدام تردد في المكان، ثم دخل الجنود، يتقدمهم الكابتن ماكغريغور، القائد العسكري الذي لم يكن يؤمن إلا بالقوة.

"ما لدينا هنا؟ مغامر بريطاني وخائنة!" ابتسم بخبث، وأشار لجنوده.

"اقبضوا عليهما!"

انطلقت مارا وتوماس هاربين عبر الغابة، بينما الجنود يطاردونهما بكل قوة.

كانت الأرض موحلة، مليئة بالأشجار العملاقة التي تعرقل الطريق.

صرخ توماس وهو يقفز فوق جذع ضخم:

"أليس لديكِ طريق مختصر؟!"

"نحن نركض للنجاة بحياتنا، لا للسياحة!" صاحت مارا وهي تجرّه من يده.

الجنود كانوا يقتربون، وأصوات بنادقهم تمزق الهواء. فجأة، انفجرت الأرض أسفلهم

"حفرة عميقة، سقطوا فيها مباشرة".

عندما استعاد توماس وعيه، كان القناع لا يزال في يده، لكنه الآن يفهم شيئًا لم يفهمه من قبل.

القناع لم يكن مجرد أسطورة.

كان ينبض بقوة، وكأنه كائن حي.

"إنه يختارك." قالت مارا وهي تنظر إليه بجدية.

"لكنني لا أريده."

"لا خيار لديك."

أخيرًا، وجدهم الجنود، ومعهم الكابتن ماكغريغور.

كان يمسك بمسدسه، ويوجهه مباشرة إلى رأس مارا.

"أعطني القناع، أو تموت."

توماس كان يعلم أن هذا ليس مجرد تهديد.

رفع القناع، وتظاهر بأنه سيسلمه، لكنه في اللحظة الأخيرة، ألقى به في الهواء مباشرة نحو النار المشتعلة بجانبهم.

صرخ الكابتن:

"لااااا!"

لكن فات الأوان. القناع سقط في النار، وبدأ ينهار ببطء، وكأن الأرض نفسها تبتلعه.

فجأة، اهتزت الأرض، وانطلقت رياح عاتية كأن الطبيعة تثور.

استغل توماس ومارا الفوضى وهربا، بينما الجنود سقطوا واحدًا تلو الآخر تحت أنقاض الكهف المنهار.

عندما وصلوا إلى قمة التل، كانت الشمس تشرق، وكأنها تعلن نهاية هذا الكابوس.

نظر توماس إلى مارا وقال:

"أعتقد أن هذا يعني أننا نجونا."

ابتسمت مارا قليلاً، ثم نظرت إليه بجدية:

"لكن شيئًا ما يخبرني أن هذه ليست النهاية."

توماس تنهد، ثم نظر إلى الأفق حيث امتدت الأرض بلا نهاية.

"ربما لا، لكننا صنعنا فرقًا اليوم."

نظر إلى مارا، ولمس يدها بلطف.

"وأعتقد أنني وجدت شيئًا لم أكن أبحث عنه."

مارا رفعت حاجبها بسخرية خفيفة.

"آه، وهل كنت تبحث عن الحب؟"

ضحك توماس وقال:

"لم أكن أعلم أنني بحاجة إليه... حتى وجدتك."

ابتسمت مارا، ولم تقل شيئًا.

لكنها أمسكت يده بقوة، ومضيا معًا، تاركين خلفهم ظلال الماضي، ومستقبلًا جديدًا أمامهم.

على قمة الجبل، ومع ضوء الشمس الذهبي ينعكس على وجههما، وقفا معًا، عالمٌ ومستكشفة، رجلٌ وامرأة، وحيدان لكن معًا، في أرضٍ لم تعد مجهولة، بل أصبحت وطنًا.

العودة إلى جهاز المحاكاة:

بدأت الأضواء تخفت ببطء، وبدأت أصوات المعارك، والضحكات، والصرخات تتلاشى، وكأنها تتبخر في الفراغ.

شعور غريب اجتاح جسد كايل، أو عادل، أو إيتزان… أو أي اسم كان يحمله في الحيوات التسع الماضية.

لم يعد هناك سيوف ولا مسدسات، لا أمواج عاتية ولا صحراء قاحلة، لا ممالك تنهار ولا عصابات تلاحقه… بل صمت تام.

فتح عينيه ببطء، فوجد نفسه مستلقيًا داخل الكبسولة الزجاجية، أجهزة معقدة تحيط به، وأضواء خافتة تنبض على الجدران مثل نبضات قلب بطيئة.

أنفاسه كانت متسارعة، وجسده متعرق، كما لو أنه عاد من رحلة استغرقت مئات السنين.

ثم، بينما كان يحاول استيعاب الموقف، رأى شيئًا جعله يتجمد في مكانه…

كانت هناك كبسولة أخرى بجواره.

لم يكن وحده!!.

بخطوات مترددة، اقترب من الكبسولة الثانية، وقلبه يخفق بجنون، كما لو كان يعرف بالفعل من سيجد هناك… وعندما رأى وجهها، تسمر مكانه، عينيه اتسعتا بصدمة، ونبضاته كادت تخترق ضلوعه.

إنها هي…

روز، أو سارة، أو مارا، أو أي اسم حملته في الحيوات السابقة.

الفتاة التي كانت دائمًا هناك، التي التقاها في كل حياة، بأشكال مختلفة، بأدوار مختلفة… لكنه لم يدرك ذلك قط.

لم يكن ذلك مجرد مصادفة، لم يكن ذلك مجرد محاكاة منفصلة… بل كانا معًا طوال الوقت.

ضغطت يداه على الزجاج، ورجفت شفتاه وهو يهمس:

"إزاي…؟"

وفجأة، بدأت الكبسولة تفتح ببطء، وانطلقت إنذارات خافتة في أنحاء الغرفة.

بدأ أنبوب التنفس ينفصل عنها، وأخذت أنفاسها تهتز وهي تستعيد وعيها.

أغمضت عينيها للحظة، ثم فتحتهما ببطء… عيناها التقت بعينيه.

ثوانٍ من الصمت مرت وكأن الزمن توقف… ثم همست بصوت مرتجف:

"كنت معاك طول الوقت؟"

ابتلع ريقه، وعجز عن الإجابة.

لم يكن هناك كلمات كافية لوصف ما شعر به. الحقيقة التي ظل غافلًا عنها طوال الوقت، الآن تزلزل كيانه بالكامل.

لكن قبل أن يتسنى لهما الحديث أكثر، انفتح باب الغرفة، ودخل العالم الذي كان يقف وراء كل هذا. كان الرجل يرتدي معطفًا أبيض، ونظراته تحمل مزيجًا من الفخر والتشويق… وكأنه كان ينتظر هذه اللحظة بفارغ الصبر.

"أخيرًا… استيقظتما."

بعد أيام قليلة، انتشرت الأخبار كالنار في الهشيم.

وسائل الإعلام ضجت بالتقارير، وعناوين الصحف ملأت الشوارع:

"أكبر تجربة محاكاة بشرية تكشف أسرارًا غير متوقعة!"

"العالم الذي خدع الموت: هل يمكننا التحكم في المصير؟"

"نتائج ستغير مفهومنا عن الوعي والقدر!"

داخل قاعة ضخمة مضاءة بأضواء الكاميرات، وقف العالم العجوز خلف منصة معدنية، وابتسم للصحفيين الجالسين أمامه، بينما رفع يده مطالبًا بالهدوء.

"السيدات والسادة… لقد قمنا بأعقد تجربة محاكاة بشرية في التاريخ."

توقف قليلًا، ثم أضاف بنبرة واثقة:

"لكن ما لم يكن متوقعًا… أن اثنين من المشاركين أظهرا نمطًا غير طبيعي."

ظهرت صورة كايل وروز (بأسمائهما الحقيقية الآن) على الشاشة خلفه. كانا جالسين في مقعديهما، نظراتهما تحمل مزيجًا من الصدمة، والتساؤل، وربما… الفهم المتأخر.

"هاتان الروحان ظلتا مرتبطتين طوال التجربة، عبر تسع حيوات مختلفة، في أزمنة وثقافات متباينة، دون إدراك منهما. لم يكن ذلك مبرمجًا، لم يكن ذلك متعمدًا. لكنهما كانا دائمًا يجدان طريقهما لبعضهما البعض."

أخذ نفسًا عميقًا، ثم قال جملة أخيرة، جعلت القاعة تنفجر بالأسئلة والصيحات:

"هل يعني هذا أن الروح لها مسار محدد؟ هل نحن حقًا مجرد بيانات عشوائية… أم أن هناك شيئًا أقوى من العلم، أقوى من المحاكاة، يربط بيننا؟"

كايل نظر إلى روز بجانبه… لم يكن يعرف الإجابة، لكن ما كان يعرفه يقينًا، أنه أينما كان، وأينما ذهب، سيجدها دائمًا هناك.

نظرت إليه روز وابتسمت بخفة، قبل أن تهمس له:

"يمكن يكون الحب… هو الحاجة الوحيدة اللي مش ممكن تتحاكى."