الفصل 1

رحيق وانكسار

723 كلمة · 4 دقيقة للقراءة

🔊 ElevenLabs

الموت مش مجرد غياب شخص، هو اللحظة اللي بيوقف فيها كل شي فجأة، وبنكتشف فيها قديش الحياة هشّة وممكن تنتهي بثانية.في حارة قديمة من حارات عمان، من الحارات اللي بيوتها قريبة من بعضها لدرجة إن الجيران بيسمعوا ضحكات وزعل بعض، كان عايش أحمد وزوجته إيفا. في هداك البيت الصغير، ولدت بنتكهم الأولى. صرختها الأولى ما كانت مجرد ولادة طفلة، كانت اللحظة اللي نسّت أحمد تعب الشغل والركض طول اليوم، وطبطبت على قلب إيفا بعد سنين من الانتظار. لما أحمد حضنها أول مرة وشاف عيونها الصفية، ما لقي اسم بيشبه النقاء اللي جواتها غير "براءة".مرت خمس سنين بسرعة، وبراءة بتكبر قدام عيونهم مثل الوردة. أحمد كان يشوف فيها دنيته كلها، كل تفصيلة في يومها كانت بتعني له الكثير، وإيفا كانت دايماً حواليها، حنونة وبتخاف عليها من الهوا الطاير. البيت على بساطته وقلة الإمكانيات، كان مليان بضحكتها وصوتها اللي بيغير نبرة التعب لراحة والفقر لرضا.يوم عيد ميلادها الخامس، براءة صحيت من النوم وهي بقمة حماسها. أحمد أخذها من إيدها ورحلوا على دكان الألعاب الصغير اللي في الحارة عشان يوفي بوعده ويشتريلها هدية. كانت بتمشي بين الرفوف وعيونها بتلمع مع كل لعبة بتشوفها، لحد ما وقفت عند دمية قماش بسيطة. ظلت واقفة تتأملها ومشت قادرة تبعد عيونها عنها، كأنها بتستنى فيها. إيفا انحنت عليها وبستها وقالتلها: "هاي صديقتك الجديدة يا براءتي، ديري بالك عليها".براءة ضمت الدمية لصدرها بقوة، وابتسمت وقالت: "رح أسميها... "وقالت: "رح أسميها.. حياة".لما طلعوا على الرصيف، كان الشارع المؤدي للحارة هادي بشكل غريب. براءة كانت طايرة من الفرحة وهي ماسكة إيد أبوها، طلعت فيه وبعيونها لمعة فخر وقالتله: "بابا، بقدر أقطع الشارع لحالي؟ خلص أنا صرت كبيرة اليوم!". أحمد تردد ثواني، بس لما شاف الثقة اللي بعيونها، غلبه شعور الفخر الأبوي، ابتسم لها وهز رأسه وقالها: "يلا يا بطلة، روحي وأنا هيني هان عيني عليكِ".مشت براءة أول خطواتها، وفي نص الشارع تماماً، انكسر هدوء الحارة بـصوت قوي لسيارة مسرعة ومبين إن صاحبها فقد السيطرة عليها. البنت الصغيرة تجمدت في مكانها من الخوف، وطلعت على السيارة وهي مش قادرة تتحرك خطوة واحدة. في أقل من ثانية، غريزة الأمومة حركت إيفا مثل البرق؛ ركضت صاحية بأعلى صوتها، وبكل قوتها دفعت بنتها الصغيرة بعيد عن طريق السيارة.صوت ضربة قوية هز الحارة، تلاها صوت تكسير قزاز على الأسفلت، وبعدها.. سكت كل شي فجأة، وصار هدوء بخنق.في ممر المستشفى اللي ريحته ديتول وخوف، كانت الدقائق بتمر مثل السنين. أحمد كان واقف قدام باب غرفة العمليات، ضايع، ومش مستوعب اللي صار، برفع إيديه اللي بتصك من الرجفة للسما، وبدعي بقلب محروق: "يارب.. أنت عارف بحالنا، لا تطفي نور بيتي، لا تاخذ شريكة عمري وتتركني لحالي". وبجنبه على الكرسي الخشبي البارد، كانت براءة قاعدة وبيتطلع على دميتها "حياة" اللي توسخت من غبرة الشارع، بتطّلع على أبوها وبتقلد فيه؛ رفعت إيديها الصغار للسما، وبعيونها حيرة طفلة مش فاهمة شو يعني موت، ولا مستوعبة إنها ودعت إمها للأبد عند هداك الرصيف.لما فتح الباب، الدكتور ما حكى ولا كلمة. بس نزلة كتافه وسكوته الطويل كانوا كافيين ليفهم أحمد كل شي. الكلمات تلاشت بالممر الضيق، وأحمد حس برجليه مش حاملتنه، وقع على بلاط المستشفى البارد وغاب عن الوعي تماماً. على الكرسي المقابل، براءة ما كانت فاهمة شو ه السكون هاد؛ ميلت راسها الصغير على دميتها وهزتها ع الخفيف وهي بتوشوشها: "ليش بابا نام على الأرض؟ وليش مطولين ت يصحوا ماما؟".مرت الأيام ثقيلة وكئيبة. رجع أحمد على بيته في عمان، بس البيت حسه ضيق ومش سايعه. الصمت كان بوجع، وكل زاوية بتذكره بـ "إيفا"؛ كاسة قهوتها المتروكة، وصوت خطواتها اللي لساته برن في المكان. كان في صوت جواته بأكله وما بوقف: "لو إنك مسكت فيها.. لو ما تركت إيدها بهديك اللحظة، كان قلبك هسا بنبض".في ليلة من الليالي، سمع صوت حفة الباب بفتح ع الخفيف. انفتح الباب شوي وشوي، وطلت براءة بعيون حايرة والدموع بلمعوا برموشها. مشت خطوتين وهي بتفرك بأصابعها بخوف، وسألته بصوت برجف: "بابا.. وين ماما؟ متى بدها تيجي تلعب معي؟".أحمد تطلع عليها، بس وجهه كان شاحب ومطفي؛ غابت الملامح الحنونة اللي تعودت عليها البنت بكل سنينها الخمسة. تطلع فيها بعيون عمّاها الندم والوجع، وفي لحظة انهيار ما قدر يسيطر فيها على حاله، طلع صوته حاد وبخوف، وهز سكون الغرفة بكلمات قاسية جمدت طفولتها للآبد: "ولك إلك عين تسألي؟ أمك راحت.. ماتت وهي بتحميكِ.. ماتت بسببك أنتِ!".في جروح ما بتنزف دم، بتنزف روح.. وأصعب أنواع القسوة مش الصراخ، بل هو هداك اليقين اللي بزرعوه الأقربين في قلب طفل بأن وجوده غلطة، وإن أنفاسه هي الثمن اللي دفعه غيره عشان يرحل. بيكبر الصغير وهو حامل جنازة طفولته على كتافه، وبدور على غفران مش رح يلاقيه في عيون الناس اللي عايشين معه تحت نفس السقف