"الساعة الثانية والنصف تم الإعلان رسميًا عن موعد وفاة كبيرة الساحرات أنيستازيا. أظهرت الوسائط التي تم تبادلها حول العالم أن الساحرة قد ماتت محترقة.."
أغلق التلفاز، ونظر بعيونه الزرقاء نحو طعامه، والهمّ باديًا على وجهه، وكيف لا يكون مهمومًا؟ من أصل سبعة قادة للوحوش، قد مات اليوم خامسهم.
لم يستطع إلا أن يفكر أنه هو التالي، فهو زعيم المستذئبين وحاكمهم الأسمى، أقواهم جسديًا وأمكرهم أيضًا. هو قوي وفذ، ولو واجه ما واجهته تلك الساحرة لاستطاع هزيمته… هكذا كان ليفكر لو لم يكن يعرفها، لكنه كان خائفًا لأنه يعرفها.
هو يعرفها أكثر من معرفته بأي شخص آخر، فقد قضيا شبابهما معًا.
هو يعرف قوتها وذكاءها وحذرها ودقتها بالتفاصيل، فحتى هو كان عاجزًا عن خداعها في ما مضى، ولهذا أدرك أنه في مصيبة عويصة؛ فقد مات حاكم الغيلان منذ شهرين فقط، وماتت حاكمة الجنيات بعده بفترة قصيرة.
سلسلة جرائم لا تستهدف سوى حكّام كل نوع، ولكن لمَ؟
أهو إنسي يكره الوحوش ويتمنى زوالهم؟ أم هو وحش يهدف للصعود إلى القمة على باقي الأنواع؟
أوقفت سلسلة أفكاره طرقةٌ على باب مكتبه.
"تفضل."
أدار رأسه قليلًا ليصبح الباب تحت مرآه.
"أعتذر عن الإزعاج، سيدي."
قال رجل يبدو في الأربعينات من عمره، داخلًا عليه، وهو يحمل بكلتا يديه صينية تحتوي على خروف كامل مشوي.
"ها قد وصل طلبك أخيرًا… لكن لا يبدو أنك أنهيت وجبتك الأولى؟"
سأل تابعه سيده باستغراب، فهو في العادة يأكل كثيرًا دون توقف، وها هو الآن عاجز عن إنهاء طبق واحد بسبب وفاة أحدهم.
"تستطيع أخذ الطعام، لا رغبة لي بالأكل."
عقد التابع حاجبيه بانزعاج ما إن أدار سيده نظره عنه، إنه يكرهه، لكنه ليس جيدًا في إخفاء ذلك، وكان سيده يعرف هذه الحقيقة منذ زمن طويل.
"ثيو."
قال السيد قبل أن يغادر ثيو الغرفة.
"فلتعلن عن بدء النزالات، أريدها أن تبدأ بعد يومين."
"يومين؟!"
هتف ثيو باستغراب، ليردف بنفس النبرة:
"مستحيل أن يتجمع ذلك الكم الهائل من الذئاب جميعهم خلال يومين! ذلك محض خيال."
هو يعلم، لكنه لا يستطيع أن يتأخر؛ فإذا مات الآن قبل تقرير الحاكم القادم للمستذئبين، فكثير من الجثث سوف تتساقط حتى يبقى رجل واحد واقفًا.
هو لا يرغب أن يترك أتباعه كما تركت أنيستازيا ساحراتها في حيرة ومشكلة عويصة؛ لأن اختيار الساحرة الحاكمة يتم بتناقل السحر بينهن، وبموتها سُلبت ساحراتها أقوى أسلحتهن: السحر النقي الذي تبادلوه لأجيال. لكنه محظوظ، لأن الأمر ليس بهذا التعقيد بالنسبة له.
فاختيار حاكم المستذئبين يتم عن طريق هزيمة الحاكم الحالي، وإعلان الشخص الذي فاز عليه حاكمًا تاليًا. وفي حال مات هو، فإن المستذئبين حول العالم سوف يموتون بالآلاف طمعًا بهذا المنصب؛ فعدم وجود شخص يرمز للقوة العظمى في مجتمع المستذئبين سوف يعيث فيه دمارًا فوق دمارِه الحالي.
هو لا يعرف إن كان هو الهدف القادم أم لا، لكنه يدرك أنه عليه فعل شيء بسرعة، لكن ماذا لو مات هو والحاكم الجديد؟ ماذا لو قتلوهما كلاهما؟
"سيدي."
قال ثيو، الذي كان يتحدث خلفه ويشرح له كم أنه من الصعب القيام بالتجهيز للنزال في يومين، لكنه لم يستمع لأي كلمة يقولها على الإطلاق.
"ثيو… دعنا نذهب لزيارتهم."
نهض من مكانه واتجه نحو ثيو، الذي على وجهه علامات استفهام كثيرة.
"نزورهم؟…"
"دعنا نذهب لزيارة أوغاد الطبقة المخملية… لنذهب لزيارة مصاصي الدماء."
قال، واضعًا يديه على كتفي ثيو، الذي تبدلت ردة فعله إلى الصدمة.
"لماذا؟"
"لأنه لم يتبقَّ غيرنا، وإن كان هناك شخص يعرف شيئًا فهو هو."
"دراكولا؟!"
صرخ بغضب في سيده، الذي ارتدى قفازاته واتجه نحو الباب ليهمّ بالمغادرة.
"هل تعرف من هو دراك؟ الوغد الأعظم! ملك الشماته! أعظم صورة لمدى سوء مصاصي الدماء، وأنت ذاهب إليهم لتطلب مساعدتهم!"
قال ثيو مطاردًا سيده، بينما يمشيان في ممرات ذلك المبنى الضخم، الذي كان مقرًا لالتقاء المستذئبين بمختلف أنواعهم، ليصعدا المصعد ويتجها نحو كراج السيارات. لم يتوقف ثيو عن التحدث للحظة واحدة عن غباء قرار سيده، لكن سيده بقي صامتًا، لأنه يعرف… يعرف أن هؤلاء المتغطرسين سوف يمنّون عليهم بالأذى إن ساعدوهم، لكنه لم يمتلك أي خيار آخر.
صعد ثيو مقعد السائق في سيارة تسلا سوداء، بينما صعد سيده بجانبه.
"حسنًا، ألن نحتاج موعدًا قبل لقاء السيد العظيم دراك؟"
قال ثيو مستهزئًا.
"كلا… اتجه نحو الغابة الشمالية، وعندما نصل هناك سأخبرك أين تذهب."
أنهى كلامه، ليتنهد ثيو ويشغّل الراديو ويبدأ بالقيادة. وما كان على الراديو لم يكن سوى شيء يجلب لسيده الحزن؛ فقد كان وصفًا لمقتل حبيبته السابقة أنيستازيا… وطوال ساعتين من القيادة شعر وكأن الشوارع مليئة بها، وكأن العالم لا يستطيع التوقف عن الكلام عنها… مرّ بعدة مبانٍ اعتادا أن يتناولا الطعام بها، وعدة أماكن تنزها بها… لقد انفصلا منذ وقت طويل، لكنه لم يستطع أن يتزوج بعدها؛ فحياته كزعيم للمستذئبين سرقت منه حياته كلها، وهو من كان يظن أن كل شيء سوف يكون سعيدًا ما إنيصبح الأقوى، لكنه كان مخطئًا.
توقف تأمله للمدينة ما إن وصلا نحو الغابة المشؤومة. وكم كانت رائحة الدماء تملؤها؛ غابة أشجارها عالية، ولا يوجد فيها سوى طريق واحد، وهو لم يكن معبّدًا، بل يمكن القول إن سير السيارات عليه كان دون إذن، فانتهى بشكله هكذا.
لأن مصاصي الدماء رفضوا أن يدخل أحد غابتهم، وأن تصبح غابتهم ممرات عامة لوجبات طعامهم.
"أوقف سيارتك هنا، سوف نكمل سيرًا."
تنفس ثيو الصعداء، لكنه انصاع لسيده كالعادة. نزل سيده وبدأ السير قبل أن ينتظر ثيو حتى. سار في تلك الغابة المشؤومة المظلمة، التي لا يضيئها سوى ضوء القمر، وهو يلمح بعينيه خيالات أشخاص يتحركون بسرعة، وصوت أحاديث خافتة بالكاد تُسمع له.
نزل ثيو بسرعة وبدأ الركض نحو سيده، وهو حتمًا لن يحب أن يبقى وحده في مكان كهذا.
سمع ثيو ضحكات بعض مصاصي الدماء، وهو متأكد أنهم يسخرون من ركضه، لكنهم كانوا ليفعلوا مثله لو أصبحوا محله!
مشى سيده بخطوات ثابتة، بينما لم يهتم لأي صوت حوله، وهذا ما جعل ثيو مرتبكًا، فكيف يعرف أين يذهب في هذا الظلام؟
وفي منطقة أخيرًا خالية من الشجر المزعج، ساحة كبيرة دائرية، وقف هناك رجل بعيون حمراء وآذان حادة، يحدق بهما، قبل أن ينحني قليلًا.
"تشرفنا زيارتك، سيد جيمس… اعذر وقاحتي، لكن هل لي أن أسأل لماذا جاء الكلب ليلعب معنا؟"
"دلّني على سيدك، أريد لقاء دراكولا."
قال جيمس متقدمًا حتى أصبح تحت ضوء القمر هو الآخر، بينما بقي ثيو وحده في الظلام.
"أنا لا أستطيع…"
رد عليه مصاص الدماء، ليصرخ جيمس في وجهه:
"اخرس ودلّني على سيدك! ألا ترى ماذا يحدث في الخارج؟ ألا ترى أن هناك شيئًا يحدق من خلفنا جميعًا؟ أتظنون أنكم إن بقيتم مختبئين هنا لن تصلكم المصائب؟!"
"أنا لا أستطيع أن آخذك إلى الكونت دراكولا، لأنه لم يعد موجودًا."
قال تابع دراكولا، ليعمّ الصمت، فلا صوت يُسمع سوى صوته، ليردف:
"لقد اختفى الكونت دراكولا قبل عامين، ولم نستطع إيجاده. والآن، بعد النظر في الأخبار، أخشى أن أخبرك، يا سيد جيمس، أنه لم يتبقَّ أحد سواك… لقد اختفى ستة من السبعة. اعتذاراتي على خسائرك."
وقف جيمس مصدومًا، والخوف والقلق يسيطران على قلبه.
دراكولا؟
الرجل العظيم الذي عاش لآلاف السنين… مات؟
تعالت أصوات مصاصي الدماء من حوله، فيبدو أنه لم يكن الوحيد الذي اكتشف هذا الأمر للتو؛ فحتى مجتمع مصاصي الدماء كان يجهل حقيقة أن سيدهم العظيم مات… لقد أخفى أتباع دراكولا حقيقة موته طوال هذه الفترة عن الجميع.
وقف جيمس مصدومًا، قبل أن يأتي ثيو ويسحبه مغادرين الغابة؛ لأن مصاصي الدماء بدؤوا بالنزول من مخابئهم واحدًا تلو الآخر، ولا يبدو أن هناك خيرًا سوف يأتي من نزولهم.
تمكن ثيو من تتبع رائحتهما، وسلك الطريق الذي جاؤوا منه للخروج من الغابة.
فتح الباب لسيده ليجلس، بينما الهمّ والغمّ باديين على وجهه، فها هو يصارع عدوًا خفيًا بمفرده.
أغلق ثيو الباب، وانتظر جيمس دخوله ليخرجا من هنا، لكن ثيو لم يركب السيارة…
مضت بضع دقائق، مما أقلق جيمس.
نادى عليه جيمس عدة مرات، لكنه لم يجب.
نزل جيمس من السيارة يبحث عنه، لكنه لم يجد أحدًا… كان بمفرده في طريق طويل محاط بالأشجار في كل مكان، وفي وسط الهدوء سمع صوتًا.
صوت طفل يغني أغنية…
تنفس بصعوبة، وهو يبحث عن مصدر الصوت. كيف له أن لا يحدد موقع الصوت وهو يمتلك سمعًا قويًا؟
أين هو؟ أين ثيو؟ أين ذهبت أصوات مصاصي الدماء؟ والأسوأ من هذا كله… أين اختفى القمر؟!
وعند ثيو، كان يبحث عن سيده، الذي كان متأكدًا أنه كان خلفه قبل ثوانٍ قليلة. بحث في كل أنحاء الغابة، ليعود لمكان تجمع مصاصي الدماء، متجاهلًا عراكهم المشتد، سأل صارخًا بأعلى صوته وبلهجة متعجرفة:
"أيها الأوغاد، أين ذهب سيدي؟"
"المعذرة؟"
سأل الرجل الذي كان يحدث جيمس، من جماعة مصاصي الدماء الذين يحيطونه.
"أنا أشم رائحة دماء."
قالت مصاصة دماء عجوز من بين الجميع، وركضت في الغابة. فلحقها ثيو ومجموعة كبيرة من مصاصي الدماء، منهم الرجل الذي أعلن خبر اختفاء دراكولا. ركضوا جميعًا نحو سيارة ثيو وجيمس، وهناك وجدوا جيمس.
"أُعلن اليوم عن وفاة زعيم المستذئبين جيمس عن عمر ناهز الخمسين عامًا، وُجد جيمس مقتولًا في سيارته، مطعونًا في القلب ومقطوع الرأس. كما تم الإعلان عن اختفاء زعيم مصاصي الدماء، الكونت دراكولا، في ظروف غامضة."